TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > احتفار نهر

احتفار نهر

نشر في: 15 ديسمبر, 2015: 09:01 م

لم تكُ وحدك، فقد قابلتك في نهايته الثانية، النهرَ الذي نزلنا لكريه معاً، كانت مسحاتك طويلة، ولم تكن مسحاتي بأقصر منها، لكنك غالبا ما كنت تتعجل دفع الطين بعيداً. أنا أضعف منك، نعم. لكنني مثلك، أحسن الكري، لذا قشطنا الثلج عن وجه الماء، كنا في الأول من كانون الثاني، وفي مثل الأيام هذه، وكانت البصرة برداً وثلجا. ولما جاء مالك النهر ذرع النصف الأول لك، وأنبت القصبة، ثم ذرع النصف الآخر لي فكانت النهاية سائبة. قال ستلتقيان في المنتصف، وأشار بيده الى غصن شجرة الغرب، التي توسط النهر.
  أشعلنا سجائرنا من الموقد الذي في الأعلى، عند جذع نخلة يابسة، وتركنا إبريق الشاي أسود يبقبق بين الجمر، كانت رائحته تضوع فيما بيني وبينك، أنت ترمي بالطين على اليمين، وانا أرمي به على الشمال، تكدس طينك عاليا وتكس طيني أعلى بقليل، كان الطين في نصف النهر الذي توليته أكثر، لا عليك فأنا شقيق عضدك وثيابك مثلما أنت شقيق عضدي وثيابي، وأعلم جيداً، مثلما تعلم أنت جيداً. إن كنتَ سبقتني فستهرعُ بمسحاتك لمساعدتي. ولمّا تمسكُ الشمس بعد بياقة السماء. كانت أصواتنا تشدُّ أزر بعضنا، أنت تقول هاك وأنا أقول هاك. نضحك ويعلو رأسينا الطين، ونصمت، فيشتعل الماء حزناً وأسىً.
   صرةُ متاعي تتدلى من سعفة، أعلى النخلة، وصرة متاعك في الكرب، بين الليف . العصافير تدور حول صرتينا، هي جائعة ونحن زاهدون. حدثتك عن إبني الذي ذهب إلى النهر ولم يعد، وحدثتني عن زوجتك التي ماتت في المستشفى. وها أنت تبحث بين الأخصاص عن زوجة ثانية، قلت لك إنَّ الآمال معلقاتٌ على حبال الغسيل، وفي بطون الأسرة ما ينضج منها في الليل. فكنت تسرح في الحلم، ذهبت بعيداً، حتى أن مسحاتك سقطت من يدك، ولما تبلغ بعد قصبة المالك التي أنبتها لك. ولكي لا تطويك غمامة حزنك غنيت لك أغنية المبحرين في الفجر، أعلم أنك تحبها، وأعلم كم ستكون سعادتك بسماع صوتي الحزين، فقد غنيتك أكثر من مرة، وكنت تقول لو أنني أملك صوتك لجلست على البحر، أسمع التائهين أغنيات وقوفهم على الرمل، أرشدهم إلى الخلجان والشطآن.
  هل جِعنا؟ سألتني. قلتُ لك : أيما والله، أنا جائع، وقد سلبني الطين ما أكلته البارحة، كان عشائي خبزا ولبنا وتمرا، وهل يتعشى أهل أبي الخصيب غير ذلك قلت لي؟ غسلنا أرجلنا حد الكعبين، وحدَّ ما تبلغه ثيابنا غطينا ساقينا. أنا أنزلت صرة متاعي من السعفة، أعلى النخلة، وأنت أخذتها من بين الكرب والليف، هل كان النمل ثالثنا، هل كانت العصافير رابعنا؟ قلت لك: افتح أنت الأول صرة متاعك وقلت لي: أفتح أنت الأول، ثم خمشت صرتي وخمشت صرتك، وعلى سعفة يابسة غبراء اختلط خبزي بخبزك وتمري بتمرك ولبني بلبنك، هل يأكل أهل أبي الخصيب غير ذلك. كانت رائحة الشاي لما تزل تضوع حولنا، والابريق أسود يبقبق بين الجمر، أنا تركت القليل من اللبن في النحيّ . قلتُ لك أريد أن أجعل طعمه الأخير بفمي، فيما أتيت أنت بلسانك على نحيّك كله، أول ما جلسنا. أكنت عطشاناً إلى الحد هذا؟ سألتك مفجوعاً بظمئك هذا. فأنا أدريك وأعلمك وأفتديك.
  لم يبق من طين النهر إلا القليل، النصف الذي عندك متساو مع النصف الذي عندي، وحين كنتُ أفاضل بين ما بقي من حصتي منه وبين ما بقي من حصتك، كنت أجدها متساوية. ما تعجلتُ لكي أسبقك، وما تعجلتَ كي تسبقني، نحن قاهران وعظيمان، لم يغلبنا البرد بارتجافه عند الناس، وما هزت عزيمتنا الثلوج. وما الحلفاء والقصب التي اعترضتنا سوى ما تسلينا بها حالقين وقاشطين. في الفجر أخذتَ المِبرد المسنون وشحذت مسحاتي مثلما شحذتَ مسحاتك، صارتا مشعتين، براقتين في الشمس، لذا كان يسيرا علينا كري النهر، ولما بلغنا منتصفه، قدحت مسحاتك بمسحاتي، ورأيت ما تطاير بينهما، هي علامة نصرنا يا أخي. وقبل أن يصعد مؤذن المسجد السطح وينادي بالناس على صلاة الظهر، كنا فتقنا مدخل النهر، من جهته السائبة عندي فتدفق الماء، عارما وقوياً، دخلت الأسماك وتقافزت الضفادع وعامت عيدان القصب والحلفاء اليابسة مسرورة بما تحقق بأيدينا. نحن ننتصر دائما.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram