TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قراءة في كتاب الأسماء والسعادات

قراءة في كتاب الأسماء والسعادات

نشر في: 9 يناير, 2016: 09:01 م

رسمتُ عنك خرائط الأنهار، وسمّيتُ لك الأديرةَ والدروبَ، وحين كنتَ منشغلاً بتشييد الجسور والقناطر، وقفتُ إلى جانبك، وحملتُ معك الجذوع الغليظة. ابتدأتَ بباب سليمان وانتهيتُ بالسَّراجي وأُميّتان، ومن أعلى المنارة صحتَّ بالناس: يا أهل أبي الخصيب. موعدنا الجسر، ثم أنهم جاؤوكَ على كل ضامر ومشحم . "فقصد تميمُهم إلى تميمهم، وربيعتُهم الى ربيعتهم"، حتى اصطكت عليك اخماسُ وأسداسُ البصرة كلها. قلتُ لك أقمْ بالناس صلاة النخل والماء، وأدعُ لهم دعاء الرطب باللبن،  أطلعهم على ما نفوسهم من الأُلفة والسعادات، قلْ لهم ما يتوجب على خطيب خصيبيٍّ قوله. يا أبا حاتِم، أيها السجستاني البصري، اكتبني بين سطورك نخلة، أنا صاحبك، عبد الرحمن ابن أبي بكرة. أنا أول مولود في البصرة. وأبي من قال للناس: هذه أرض نخل، فأغرسوا.
وحين اكملتَ لهم أسماءَ أنهارهم، كنتُ قد أكملتُ لهم أسماءَ أديرتهم وسككهم، فأخذتِ الناسُ منابت النخل كلها، ولم يبق في الارض التي تغفو على الشط ناحية الغرب وتستفيق على البر ناحية المشرق مكان للسباخِ والمسغبة، فكان التمر وكانت الفاكهة والخضار ضالَّة كلِّ جائع، ومسألةَ كلِّ عُطشان. وفي سلسلةٍ من حلقاتٍ نحاسٍ، ربطتُ قارب المسرات. وتحت أجاصة، هي الأعلى على الأنهار، رحنا نسمي للناس صنوف النخل وأنواع التمور. فأطلقنا على الذي يزرع في البراحات  اسم (البرحي)، وعلى الذي بدا لنا بَرِمَاً من صويحباته (البريم) وكذلك قلنا عن الذي سار وحده، فكان (الساير) أو (السعمران) أنت أضفت الأف والنون، قلتَ هي للنسب، وكنت أريدها للتعريف وللدلالة وهكذا، تعارف الناس على  القنطار والليلوي والاخلاص والمكتوم والاشرصي ... وقبل أن نكمل لهم الأسماء كلها، غلبنا النوم،  ونما .
كنتَ على دابتك السَّمحاء، حين كنتُ على برذوني الأبيض، قلتَ لي إنك لم تُكمل بعدُ، أسماء الانهار في أبي مغيرة ونهر خوز والعامية ومحيلة ومهيجران، أو لعلك نسيت بعضها، فأطلعتك على خُرُجٍ من الليف كان على خاصرة البرذون، أخفيه عن أعين المردة والنسانيس، فتعجبتَ وزادك العجب شغفا في رؤيته، قلتُ لك لا تستعجلني الاسماءَ والصفات، فقد كنتُ اشتققتُ من الأرضِ ومن أحوالها، ما سَهُل وطابَ ورقَّ واخضوضرَ وانْخَلَ وأشْجَرَ وأستقوى، أو ما انّتفضَ واستصعبَ واستعصى واستشمَّ واستبردَ واستهان واستلان...  ما لا يخلد في بال أحد من الأسماء.. فأثنيتَ، تعاضدني الرأي وتستلطفُ ما سمّيتُ. ومن هذه وتلك اخذتِ الناسُ بعدنا تسمّي وتكنّي وتُنسب. حتى صاروا يقولون: باب سليمان ويقصدون سليمان ابن جامع، صاحبَ صاحبِ الزنج، ويقولون: محلولة الزهير، ويقصدون بيت وأملاك الوالي قاسم باشا الزهير. هل أسسنا ركنا في الدنيا؟ تقولُ: نعم، وأقول: نِعْمَ الناسُ الأنهارُ والأديرةُ والجسورُ.
ذات يوم، صحتُّ بكَ، يا أبا حاتم. أيها السجستانيُّ البصريّ كنتَ تمرقُ مسرعاً، بزورق يعمل بالزيت، فلم تسمعني، كان صوت ماكنة الزورق أعلى من صوتي، وقد نؤتُ بحمل نعوش السنين. فبقيتُ انتظر عودتك، إذ لا سبيل لي غير هذه، كنتُ أريد أن أسألك عن الطريق التي أنت سالكها. بحثت في ما ظل بين يدي من أسماء الأنهار، فلم أعثر على واحد، لا أعلم لك وجهة من أرضنا، ساعتها، فقد فقدتُ الخرائط ونسيتُ الاسماء، لكنك لم تعد، وقفتُ أنتظرُ اليوم واليومين، السنة والسنتين لكنك لم تعد.
لا أعلم ما إذا ارتطمَ زورقُك بما راح يلقي الغرباءُ في انهارنا من الحديد والاسمنت، ولا ادري إلى أين اوصلك زورقك المسرع المجنون، أتراك اضعت خرائطك مثلي ونسيت أسماء الأديرة والسكك والانهار والجسور. هل أستوقفك الغرباءُ مثلما استوقفني بعضُهم ذات يوم، وهل سألوك ما إذا كنت من اهل أبي الخصيب أم لا؟ لإن حصل معك ذلك، قل لهم ما تريدُ عنّي قوله، قل لهم إن عبد الرحمن ابن أبي بكرة يريد الخروج من البصرة، ومن أبي الخصيب أيضا. البصرة لم تعد وطنا له. لن يأبه بك احد، لا تخشى، لم تعد القضية تعني أحداً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram