TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > سن العصابات

سن العصابات

نشر في: 30 أكتوبر, 2012: 11:00 م

يمر الكائن البشري، منذ طفولته بسلسلة من مراحل النمو الاجتماعي. ولكل مرحلة من تلك المراحل متطلباتها التي يحتاج فيها الإنسان للتكيف حتى يكون نموه سليما أو طبيعيا. والتكيف عملية معقدة تلعب بها الوسائل التربوية، البيتية منها والمدرسية، دورا فاعلا في تحديد ملامح الشخصية. أول وأخطر مرحلة في حياة كل طفل هي عندما يبدأ بالانضمام إلى الجماعة. إنها مرحلة التحرر من دائرة الأسرة الضيقة للدخول في دائرة المجتمع الأوسع. خطوة البداية تبدأ عند مرحلة عمرية يطلق عليها بعض المختصين اسم "سن العصابات". غالبا ما تكون في مرحلة الطفولة المتأخرة (5 إلى 12 سنة). ويمكن الاستدلال على دخول الطفل فيها عندما نلاحظ انه أخذ يستعمل كلمة "نحن" بدلا من "أنا". فهو عندما يراك غير راض عنه، مثلا، لا يقول "أنا شمسوي؟" بل "إحنا شمسوين؟".

إنها سن الصراعات التي حسب طريقة إدارته لها يتحدد كثير من خصائص الفرد الاجتماعية في المستقبل. أخطر ما يواجهه الطفل هو حين يعاقبة "رئيس العصابة" أو العصابة كلها بالنبذ. والرئيس غالبا ما يكون طفلا يمتلك مواصفات قيادية من بينها الخبث والنعومة التي ترتدي رداء الطفولة البريء. لا يمتلك الطفل الذي تلح عليه حاجة الانتماء للجماعة ويتعرض للنبذ غير طريقين احدهما سلبي والآخر ايجابي. السلبي هو أن يصبح انطوائيا أو عدوانيا. أما الإيجابي فهو أن يبحث عن عصابة أخرى أو أن يؤسس عصابة جديدة يضم إليها من يراهم على شاكلته. والطيور على أشكالها تقع كما تعرفون.

في الدول المتقدمة تحسب مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية والأسر حسابها لتلك المرحلة لتساعد الأطفال في عملية التكيف الاجتماعي. أما في الدول التي لا تضع الإنسان همها الأول فان تلك الصراعات الطفولية ستكبر وتتحول إلى لعبة بين الكبار قد تضر المجتمع بأكمله. وربما كان هذا واحدا من أسباب انتشار ظاهرة "التناشز" الاجتماعي التي تحدث عنها الدكتور علي الوردي كثيرا.

أخطر نتائج تلك الصراعات المستقبلية هي فقدان قيمة الحب أو المحبة بين الناس لتحل محلها قيم البغضاء والكراهية والتلذذ بعزل الآخر. قيم سلبية تجذرت في اللاشعور الجمعي لأنها تُركت على راحتها تعبث بالنفوس من أيام الطفولة.

شكا لي صديق زار العراق مؤخرا بعد غياب طويل من ظاهرة فقدان روح المودة الجماعية التي عهدها بأصدقائه قبل أن يفارق العراق. صار يتحدث عن حالات مخيفة من الشللية حتى بين أوساط المثقفين. ولكثرة وجعه قرر أن يكتب عنها  قصصاً وحكايات تبعث على الألم. بعث لي مسودة ما كتب طالبا رأيي فيها. استوقفني عنوان احد فصول كتابه يقول "إنهم يتقنون فن حصار الآخر". فيه حكايات غريبة وطويلة عن جار صديق له يبالغ بكرم الضيافة ليدعو الآخرين ولا يدعوه. يظن صاحبي أن الهدف هو عزله لا أكثر ولا أقل.

هونت عليه، لكني في قلبي تعاطفت معه جدا وأنا أراه قد عاد كما الطفل على أعتاب "سن العصابات" من جديد. صبرا جميلا يا صديقي، فقد تكون هذه إحدى نتائج الحصار الظالم الذي فرض على الناس.

عيدا مباركا يا عراق، وليحمك الرب من جماعات الخبث الناعم وعصاباتهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. ابو سعد

    كان جارنا حمود ابو شاكر يعمل كناس في مطار المثنى نهاية الستينات وكانت ام شاكر تعلق على عمل زوجها ب(لوتشوفون حمود لما يكنس المطار اشكد يصير نظيف تاكل عليه المركه)المهم مره احمود جاب لابنه شاكر طوبه (كريكر يمكن لكاها ) المهم ان شاكر اصبح رئيس الفريق وهو الل

  2. خالد ويس

    أستاذ هاشم . كما تفضلت الإنسان كائن معقد التركيب يتداخل في تطويره مجموعة من العناصر البيئية والأخلاقية والعائلية والمادية ...الخ. كل هذه العناصر إذا توظف بشكل سليم حتماً يخرج هذا الإنسان بصورة لا شائبة فيه إلا ؟ والكمال لله. لكن في ظروف العراق العظيم اليو

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram