TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كائنات بصرياثا الأخيرة

كائنات بصرياثا الأخيرة

نشر في: 26 يناير, 2016: 09:01 م

لم أتمكنْ من إمساكِ لحظةِ الألم، التي اعتصرت قلبي وأمسكتْ بي ساعةَ تطلعتُ في صورة جسر السَّراجي القديم، الذي خسفته الشاحنة الكبيرة، وسقط بها، لم أقو على ذلك، فهو أكبر من جسر، أكثر من حديد   منتصب على نهر، قد لا تتصورهُ الآن أنت، لأنك تركت الوطن البليل وأنت غرٌّ صغير، لم تشهد معي عبور القوارب والمهيلات تحته، لم تشهد معي هروب الملائك الصغيرة من انهارنا، بعد أن سحقت الجرّافات الارض بمن فيها، بعد أن اختفت غابة النخل الكبيرة تلك، وابتلع الطميُّ الاسمنتُ الانهارَ والجداولَ الصغيرةَ والقناطرَ. ترفع عن الأرض صخرة، فتصطخب ذاكرة المكان نخلاً وانهاراً وغبطةً ، وتترنح الصورة الكبيرة تلك ..ومن النهر الأول في الخورة والبراضعية حتى النقطة العميقة النائية في رأس البيشة، تزحزح الأرخبيل الرطب المنسرح طينا وأسماكا ونوارس وأشنات، اختفت إلى الأبد بصرياثا، باصورا .. بجسورها وانهارها وقناطرها.. وستظل تختفي، ولن يبقى من الخُلد العظيم ذاك، سوى مشهد صغير لجسر ظل يتداعى ويتهاوى إلى الأبد.
ترتسم الصورة كبيرة في البومات المنازل، وعلى الشاشات، وستظل تشير الينا، أنا وأنت، وحشد العابرين، على رؤوس النخل إلى الندم، كلما ارتسمتْ وُجْهَةُ الماء، منزوعةً من جردلِ الحياءِ البعيد. وكما لو أنني لم أشهد قيامتها ،كتبتَ تقول : ..
لأن غابة النخل تلك، كانت واحدة من جنان الله على الجنوب، لأنها مستوطنة مختلف حيوانات البرِّ والماء والأنهار، قبل أن تكون مستوطنة بني الانسان..مستعمرة الذئاب والخنازير والحمر الوحشية، مأمن الافاعي والثعابين والسلاحف والقنافذ وبنات آوى،  فأردفتُ إليكَ كاتباً: وهي قيعةٌ بين النهر والنخل وصحراءٌ إلى الزبير، ما فتأت تعبر غابتها سرَّاً، وتحت جنح الليل، الكائناتُ المسكينةُ، باحثة بين النخل وأشجار الفاكهة عن بغيتها. الحديقة الواسعة  هذه، كانت غصونا اشتجرت، كثيفةً، كبيرةً، ليحط عليها الخائفُ والآمنُ من الطيور. وليسكنها الأنسان.
ثم أنك كتبتَ تقول :وكانت السلاحفُ والأفاعي، غالبا ما تموت مسحوقة تحت عجلات مركبات الخشب، تلك التي ظلت تقطع الطريق فجراً، محملة بأصناف الخضار والفاكهة، قاصدة سوق المدينة الكبير في البصرة القديمة.  تقول إن سائق المركبة الخشب، الذي كان يتخذ من ركنٍ منهدمٍ، عند بيتهم مجلسأ له، وقد اعياه الزمن تعباً ونحولاً، كان غالباً ما يتوقف، يقطف العنب والتفاح والرطب من البساتين القريبة، وهو جالس في مقعده، بالمركبة الخشب، وكذلك يفعل الحوذيون وأصحاب مركبات بيع البسط والسجاد ومصلحو ماكنات السقي. ذلك، لأن الطريق كانت ضيقة، عند مفترع الأنهر، وكثيرا ما كنتَ تخشى على وجهكَ من لطم أغصان الخرنوب والتوت، وهي تقتحمُ عليك الشبابيك، تقول بأن الأشجار تحفُّ المركبة في  أماكن كثيرةٍ، أثناء مرورها بين الأديرة، حتى إذا بلغنا "قنطرة حرب" فجراً، قبل عبورنا جسر مهيجران الحديد، توقفنا. نفتح أبواب الصندل الخشبية، لتمتلئ  صدورُنا بأزهار ملكات الليل والمشمش والخوخ. نفتح أكمام دشاديشنا وقمصاننا، فيفغمنا عطر.. لا نكاد نقوى نسميّه، فهو يفوق الوصف، دفعته النسائم تواً ..
 قلتُ وكنتَ أقرأتني تقول: في القرى التي تتباين معها الأسماء، كوت الفدّاغ، اليهودي، السبيليات درب المِحَيرات، محيلة الصكاروة ...سيصير بمقدورنا  التقاطَ الفراشات، وانتقاء ما نشاء من  الرطب والعنب والمسرات، هذا إذا كنّا قاصدين العشار أو عائدين منه. لأن السائقين يتفادون الافاعي والسلاحف والقنافذ لئلا تسحقها مركباتهم. ولأنَّ الطريق بممر واحد ضيق، سيكونون غير قادرين على تفادي دهسها احيانا. حيث يبتلع ماء المدّ عشب الطريق وأشجاره. وقلت بأن الربيع يقتطع ورقةَ السندس الكبيرة، وينأى بها الى الجنة هذه.  أفكرُ، حيران، مهموماً مثلك بكائنات الطريق تلك، وقد فقدت الغابة قدرتها على حماية مستوطنها الأول، الأنسان.
   أسأل هؤلاء، الذين كتبوا في الأوراق ما لم يكتبه أجدادُنا، أسألهم عن السلاحف والأفاعي والقنافذ، مثلما أسألهم عنّي وعنك، وقد عجزت الأرض عن احتضاننا وإياهم، بعد أن قطّعت الجرافات أوصال غابة النخل، واقتلعت المسرّفات الحقول وأشجار الفاكهة، وبعد أنْ إمّحت المنازلُ الطين، وهاجر الكثير من أصدقائنا (الوحوش) متى كان شركاؤنا في الماء والقوارب والظلال وحوشاً ؟ أولئك، الذين لن يكون لحياتنا معنى بدونهم. اتحدثُ عن الضواري التي كنا نتفادى أسرابها ليلا، عن السلاحف والعرابيد والكواسج وبنات آوى، أتحدث عن البلابل والعصافير الملوّنة، عن السناجب وبنات عرس التي كانت تملأ بطونها من دجاج غفلتنا، عن خنازير البرية  المتوحشة، تلك التي كانت تعبث بحقول البرسيم، عن النجوم والأقمار التي كنا نتعثر بها على العشب، تلك التي كنا نجمعها ملونة من الجداول والشبابيك .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram