TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ما الفارق بين (الحداثة) و(التحديث)؟

ما الفارق بين (الحداثة) و(التحديث)؟

نشر في: 26 فبراير, 2016: 09:01 م

حدثني جامعيّ عراقي نبيه يكتب أطروحة دكتوراه في الفن، طالباً رأيي المتواضع، أول شيء ذكّرته به هو الفارق بين (الحداثة modernty) مفهوماً و(التحديث modernisation) تجديداَ تقنياً وشكلياً, وهو تفريق أقيمه منذ بعض السنوات عبر دراسات ومقالات عديدة. خاصة وهو يمسّ الفن في العالم العربيّ. دون جدوى، إذ أن التحديث هو الذي يقوم مقام مفهوم الحداثة التي تصير إشاعة مثل بعض الظواهر والأسماء.
إذا كان (التحديث) التقنيّ في بدايات القرن العشرين العربيّ مفتتحاً مأمولاً متخيَّلاً لـ (لحداثة) مفهوماً، كأن تتحول الكتاتيب إلى مدارس وتتعبد الطرق وتُهجر أساليب الإنشاء المُسجَّع لغير المُسجَّع وتدخل الآلات الميكانيكية والبخارية بدلاً عن الحيوانات، فلقد ظل هذا (التحديث) حتى اليوم يحلّ مفهوم (الحداثة) التي تطوي وتتجاوز (التحديث). ما زال التحديث رديفاً واسع النطاق للحداثة. وهنا إشكالية حقيقية.
كان مأمولاً أن الدول العربية الطالعة مع استقلالها نهاية الأربعينات - الخمسينات وأوائل الستينات أن تُؤسِّس مشروعاً (حداثياً) ليس فقط على مستوى (تحديث) البني والهياكل والمشاريع ولكن على مستوى الوعي (وخلق) إنسان مختلف الثقافة والسلوك والمقاربات. النتيجة أن أكثر من نصف قرن من الاستقلال برهنت أن (الحداثة) التي كانت تدعو إليها تلفيقية، وأنَّ الإنسان بقي يتعاطى العالم وفق نسق ثقافي قديم بلبوس (التحديث) الشكلي، وبأول الهزات صعدت الأصوليات وصوّت الناس على نطاق واسع (للماضي): مشروع الاستقلال كان،أصلاً، مشروع (تحديث) وليس مشروع (حداثة).
جميع إصلاحات الدولة الوطنية المستقلة - ولعل مصر أهمّ نماذجها - وجميع ادعاءات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وإنشاء طرق المواصلات والجامعات - ولعل العراق أهمّ نماذجها ولعل إنشاءات الجنرال فرانكو تفوقها - وما يتوسط ذلك في التجربة البورقيبية المتشبثة صراحةً بالعلمانية، لم تكن لتهتمّ جوهرياً إلا (بالتحديث) وليس (بالحداثة) حيث لا يستوي، في الأقلّ، قمع الإنسان واضطهاده مع مفهوم (الحداثة). نحن ننسى غالباً أن تلك الأنظمة أنشأت السجون والمخابرات بقدر إنشائها للمدارس والمستشفيات. في الثقافة أيضاً وبشكل بارز.
أكدّ استخدام المال النفطيّ هذا الفارق الجوهريّ بين (الحداثة) مفهوماً و(التحديث) تقانةً وشكلاً. لن يتناطح عنزان حول ذلك. لا يكفي أن تشترى أجمل السيارات الأوروبية والأمريكية وتزعم أنك (حداثي) بينما تغطّي زجاجها بالأسود لكي لا نرى حريمك. لن يكفي أن تقيم أوتوستراد محمد القاسم في بغداد بينما تنهمك بـ (دعوة إيمانية) لأغراض مريبة منها تهجير وتقتيل الناس، أو تنتصب في بلدك أعظم الأبراج وناطحات السحاب والمولات بينما نعرف دون أدنى شك أنك من أعظم داعمي داعش ومبرقعي النساء بالبرقع، وأن فكرك أبعد ما يكون عن مبادئ الحداثة. من أجل حل هذه المفارقة تعالت الأصوات إلى القول أن لا وجود لمفهوم الحداثة هذا وعلينا استبعاده نهائياً، أو تمييعه قدر المستطاع.
ها هنا يقبع مأزق بعض مثقفي هذه البلدان، الخليجية اليوم خاصة: مفاهيمهم تنتمي إلى الماضي والتقليديّ، وإنْ بمحاولات "استمزاجٍ" ومصالحةٍ تلفيقية مع (الحداثة). لا يكفي أن تكتب قصيدة النثر للبرهان على خلاف ذلك.
لذلك، على المستوى الشعريّ المرهف نفسه أيضاً، ثمة جمهرة من الشعراء العرب الذين يقبعون في (التحديث) التقنيّ والشكلانيّ وليس في جوهر مفهوم (الحداثة). أليس الجميع، من رُعاة وبُداة وريفيين وقبليين وقرويين، هم من يتشبث اليوم بشكل قصيدة النثر، بينما نعرف أن مرجعيات بعضهم مشكوك بمعاني (حداثتها) على المستويات الوجودية والاجتماعية والعرفية والممارساتية كلها؟. أنا تحديثيّ على مستوى الشكل، إذنْ أنا حداثيّ؟
 سيكون المرء سعيداً لو وقع إثبات خلاف ذلك.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram