الجزء الثاني
هكذا صرخ بيكاسو حين سألته زوجته فرانسو جيلو عن رأيه في أعمال شاغال (لا أحب الديوك والحمير الطائرة وذكريات القرية التي يرسمها، لكن هذا الشاغال مُلَوِن من طراز قلَّ نظيره، وهو-اذا ما استثنينا ماتيس- أعتبره أعظم ملون بين الرسامين) هنا تكمن عاطفة اللون الذي يرسمه شاغال (1887-1985) ، هذا اللون الذي نرى من خلاله ما يبثَّه ويقوله لنا هذا الرسام حول حساسيتة في توزيع المساحات على قماشة الرسم. وحين نتحدث عن العاطفة في الفن، لا يمكننا أن نخطو بعيداً عن سحر أعماله، هو الذي الذي مزج أساطير وحكايات قريته الروسية مع نسائه الحالمات اللواتي يَطرْنَ في فضاء اللوحات، وموسيقييه الذين يجلسون على غيمات لايدركها أحد. لقد رسم كل ذلك وقدَّمه برؤية جديدة لم يسبقه اليها رسام آخر من قبل وبطريقة تلوين مدهشة أبهر بها كل مجايلية ومن جاء بعده، سحر الجميع وهو يضع أزرق الكوبالت بمساحات وبقع تمس شغاف الروح والقلب معاً.
أما مودلياني ( 1884- 1920) الذي عاش في نفس فترة مدرسة باريس مع شاغال وبيكاسو، فكان يرى النساء بعاطفة مختلفة ورؤية فريدة أيضاً، حيث العيون اللوزية الغائرة، والرقاب الطويلة المائلة، عيون فارغة حزينة تقودنا الى أعماق الشخصيات، لتسمعنا موسيقى الحزن الخفي الذي كان يعتلي مودلياني نفسه، ويحاول أن يعكسه على موديلاته والنساء الساهمات اللواتي يرسمهن، كان مودلياني يغيِّب النساء تحت غيمة فرشاته وتقنيته التي استقاها من سيزان وأشكاله التي طورها في مشغل برانكوسي، ويضع كل ذلك في مناخات فيها الكثير من الغموض وبألوان متقاربة أغلب الأحيان وكأنه قد رسمها بفرشاة واحدة تتنقل في يده بخفة بين ألوان باليت الرسم. كان آخر البوهيميين وأول العشاق، ولم ينتبه اليه أحد أثناء حياته القصيرة وهو يتجول بين حانات باريس وأزقتها ليعود مساءً الى مرسمه متأبطاً موديلاً جميلاً بيد وفي اليد الأخرى قنينة رخيصة من النبيذ، وبعد وفاته أصبح بطلاً رومانتيكياً ومثالاً لقوة الرسم وجماله وحضوره الآسر.
في جانب آخر من باريس وقبل ذلك بعدة سنوات، كانت هناك ظاهرة أخرى في الرسم اسمها تولوز لوتريك (1864-1901) الذي عاش وسط نساء من نوع مختلف وفي أجواء شديدة التفرد، حيث قضى أغلب سنواته في حانة ومرقص الطاحونة الحمراء وسط راقصات الكانكان وبائعات الهوى اللواتي رسمهن في أعماله الطليعية وقتها، لقد أدخل شخصياته النسائية التاريخ، بل فتح باب التاريخ على مصراعية أمام الطاحونة الحمراء كلها. أبهر الجميع وهو يرسم كل ذلك بتقنيته وخطوطه التي تشبه ضربات سوط على سطوح اللوحات، حتى كأنك مع لوحاته تشم رائحة المكان ورطوبة المواخير وأجساد النساء نصف العاريات تحت الضوء الخافت والستائر نصف المغلقة وهن ينتظرن الزبائن. رسم لوتريك كل ذلك بعاطفة الرسام المحروم من النساء، وبدلاً من الحصول عليهن في الواقع، سعى للحصول عليهن في خياله الذي عكسه على لوحاته المليئة بالحركة والفجور معاً، ومن خلال تقنيتة وخطوطه الحادة ووجوهه المحرفة، تجاوز الانطباعية نحو الطريق المؤدي الى التعبيرية وعلى متن نفس العربة التي أقلَّت فان غوخ وغوغان.
وقبل وفاة لوتريك بثلاث سنوات ولد في الشمال حيث بلجيكا فنان آخر كان عليه أن يمسك خيوط العاطفة التي بدأها الآخرون وينسج منها أعمالاً ذات مزاج مختلف وخاص، وأقصد هنا الفنان الغامض رينيه ماغريت (1898-1967) الذي حيَّر كل من شاهد أعماله وهو يصنع من قلب العاشق عصفوراً ومن الحجر غيمة، هذا الرسام جعل الفاكهة ترتدي أقنعة والطائر يرتدي بدلة من الصوف، وأرانا في أعمال أخرى كيف تصبح التفاحة الخضراء على يديه أسطورة باقية الى الأبد. وهل يمكن نسيان عمله الخالد (القبلة) حيث غطى وجه العاشقين بقطعة أو كيس من القماش وهو يستعيد عاطفة حزينة مرتعشة تعود الى طفولته عندما غرقت أمه في النهر المجاور وحين أخرجوها من النهر كان فستانها المبلل يغطي وجهها، وقد صدمه هذا المشهد ولم يبارح مخيلته الى الأبد، وقام برسمه في مجموعة من اللوحات التي عكست عاطفة حقيقية وقُدِّرَ لها أن تكون أيقونات خالدة في تاريخ الرسم.
العاطفة باعتبارها فناً
[post-views]
نشر في: 26 فبراير, 2016: 09:01 م
يحدث الآن
مجلة بريطانية تدعو للتحرك ضد قانون الأحوال الشخصية: خطوة كبيرة الى الوراء
استشهاد مدير مستشفى دار الأمل الجامعي في بعلبك شرقي لبنان
استنفار أمني والحكومة العراقية تتحرك لتجنيب البلاد للهجمات "الإسرائيلية"
الـ"F16" تستهدف ارهابيين اثنين في وادي زغيتون بكركوك
التخطيط تحدد موعد إعلان النتائج الأولية للتعداد السكاني
الأكثر قراءة
الرأي
مصير الأقصى: في قراءة ألكسندر دوجين لنتائج القمة العربية / الإسلامية بالرياض
د. فالح الحمــراني يتمحور فكر الكسندر دوغين الفيلسوف السوفيتي/ الروسي وعالم سياسي وعالم اجتماع والشخصية الاجتماعية، حول إنشاء قوة أوراسية عظمى من خلال اتحاد روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة في اتحاد أوراسي جديد ليكون محط جذب لدائرة واسعة من...