TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > خمر متاح وبيع محظور.. لكنْ!

خمر متاح وبيع محظور.. لكنْ!

نشر في: 15 مارس, 2016: 09:01 م

أسخر وأهزأ وأشعر بخيبة أمل كبيرة في مستقبل البلاد هذه، كلما نشرت مواقع قيادة الشرطة في محافظات الجنوب خبر القائها القبض على كمية من المشروبات الكحولية، وأستهجن بطولات الشركة الزائفة أمام ما يحدث من خروقات أمنية في مدننا، وأقف ممتعضاً من أداء القوات الأمنية العاجزة عن حسم نزاع بين عشيرتين في البصرة، ولا أجدني ملزما في الثناء على أعضاء مجالس المحافظات وهم يصوتون بالإجماع على منع بيع وشراء وتداول الخمور في البصرة والناصرية والعمارة وانا اجد الرجال والنساء والاطفال حتى من الشيعة وهم يتفننون في بيعها سراً وعلانية في بعض البيوت وفي الازقة وعلى الوزوازات والستوتات، وأشعر بوضاعة أنفس رجال الشرطة في نقاط التفتيش القريبة من هؤلاء وهم يسمحون لهم بممارسة مهنتهم هذه مقابل حفنة دنانير، مقابل بطل عرق أوزو سفن أو كارتون بيرة بولاند، أم القوطية الخضرة.
بحدود علم الجميع، بما فيهم الحكومات المحلية، أن لا أزمة في الخمور، في محافظات البصرة أو ذي قار أو ميسان أو واسط ولا حتى في كربلاء، وهي متاحة ومتيسرة لمن يبحث عنها، وهناك شبكات تعمل على المتاجرة بها، تتفنن في جلبها من بغداد او من كردستان او من تركيا والاردن، وليعلم المتشددون دينيا في المجالس المحلية بأن الدولة وإلى اليوم تستوفي الرسومات الجمركية وتستحصل الضرائب على الخمور المستوردة عبر منافذنا الحدودية، كأي بضاعة داخلة للعراق، بمعنى أن المرتبات التي يتقاضونها من الدولة هي موضع شبه عندهم، فهي من النوع المسمى بالمخلوط في الحرام، فلا مزايدات ولا بطيخ، وهم يعلمون علم اليقين بان البعض من رجالات حماياتهم وموظفي مكاتبهم يتعاطونها ويجلبونها بسياراتهم المظللة، تحميهم هوياتهم التي يحملونها، ويتجاوزون بها السيطرات الكثيرة بين بغداد والبصرة، ولا أحد بينهم يعتقد بأن مسيحيا واحداً في البصرة قادر على جلب بطلين في حقيبته، هنالك رجال أقوياء، يؤمنون حاجات المدن من كل أنواع المشروبات هذه.
يقول أحدهم بأنه يشتري خمرته من امرأة مسلمة شيعية بالبصرة، تعمل مع اثنين من أشرار أبنائها على بيعه، فهي تجلس في دكان بسيط، تبيع فيه الماء والمشروبات الغازية لكنها تبيع لمن تعرفه (معميل) العرق والويسكي والبيرة، وحين تعجز يقف طفل بعمر العاشرة يساعدها في عملها، ولا تجد الحرج في ذلك فكيس أسود كبير يكفي لتمويه ما فيه. ويقول آخر بانه يدخل كمتبضع لأحد البيوت، ولا يجد رهبة من رجل الشرطة الذي يجلس بالقرب من البيت، فقد أعلمه صاحب البيت بان الشرطي (ماخذ حصته) ويعلمني صديق بأنه يعتمد على ستوتة عباس ففي قنبورتها ما لذّ وطاب، وعنده خدمة التوصيل للبيت. وهكذا، وبفعل غباء وسوء أداء الإدارات المحلية تحولت المرأة الى بائعة خمرة وتحول الطفل الى شريك معها وكذلك أصبح رجل الشرطة الشريف مرتش ومثلهم صرنا نتحدث عن عباس ومحمد وفاروق وسركيس.
منذ سنوات طويلة، وقبل أن تصبح ضاحية الكزارة، المزدحمة بالسكان والقريبة من مركز العشار الى جزءٍ من سوق المدينة، رفض صاحب محل لبيع المشروبات (المسيحي)ان يبيع أحد القاصرين من أبناء زبائنه قنينة عرق، قائلا له: "روح لأبوك، وقل له أسكيناس ميقبل يبيعلي" وفي باب بار ديانا، بشارع الوطني، بداية الثمانينات رفض الشرطي إدخال صديقي، الناعم لأنه اعتقد بان عمره كان أقل من 18 سنة، وفي نادي البريد شاهدت بأم عيني، كيف يقوم موظف الصحة المختص بفحص قنينة البيرة، نوع فريدة، خشية أن تكون فاسدة.
حماية المجتمعات لا تقوم على آلية المنع والحجب إنما تقوم على أساس العقل والحكمة وتطبيق القوانين وفرض النظام الصحيح في التعامل مع ما تعتقد على أنه مضر اجتماعياً. يسألني أحدهم عن أيهما أخطر على صحة الشباب: الخمرة أم  النركيلة ؟ فأقول الأثنان معا، إن فسدت الدولة. ليست القضية في ما تتيح وتحجب، القضية في ما تشرع وتراقب وتتصرف وفي ما تحتكم الى العقل والمسؤولية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram