TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العرب ضدّ ميشيل فوكو

العرب ضدّ ميشيل فوكو

نشر في: 8 إبريل, 2016: 09:01 م

(2-2)
إذا كان فوكو يتحدث عن بزوغ العقلانية وتَغوّلها في القارة الأوربية، ثم يطرح شبهاته حولها بطريقة مُعقّدة لا مقام للتبسيط فيها، فإن العالم العربيّ يظلّ اليوم، على نطاق واسع، يختلق (العقلانية) بطريقة تلفيقية، في الحالات الأدبية والسياسية.
تاريخياً في البدء: عندما أنتج العالمُ الإسلامّي عقلانيةَ المعتزلة، قُوبلت بألف شُبهة وجَلْدة، حتى اغتيلتْ رسمياً فكرة الإرادة العاقلة الحرّة لصالح هيمنة الفكر القدريّ اللاعقلانيّ السائدة (تعبير "الله غالب" الغيبيّ في المغرب العربيّ مثلاً). الفكرة الغالبية في أوساط الثقافات الأوربية تتمحور حول هذه الطبيعة التاريخية الضاربة في العالم الإسلاميّ. ومنها أفاد وساهم مثقفون عرب، كأدونيس، في توطين هذه الخيار لنفسه (لنا أيضاً في الذاكرة الأوربية؟). إذا قبلنا ورحَّبنا بأدونيس فبالأحرى بصفته أقرب للإشراق الصوفيّ الوحيد الجدير بهذا (الشرق)، وليس العقلانيّة، سيقول فوكو الافتراضيّ.
في العصر الحديث الموسوم برأسمالية ريعية، نفطية لم تتطوّر وفق أنساق تحوّل الرأسمالية الغربية، يغدو التوفيق المُصْطنع بينها وبين (التحديث) التقنيّ ضرباً من النفيّ المُبطّن لمفهوم ووعي (الحداثة)، ويغدو تركيب واصطناع (حداثةٍ) ما حسب الفكر الوهابيّ وكل فكر مذهبيّ غيره –كما لدى مثقفي البلدان الأصليين ومن يبايعهم في لبنان وسوريا والعراق ومصر من مثقفين مسيحيين وأقباط - ضرباً من (اللاعقلانية) العالية. سيتساءل فوكو الافتراضيّ، ويقول ان كلّ محاولات اختلاق العقلانية التي يسعى إليها هذا الرأسمال الأيديولوجيّ السلفيّ العربيّ، لم تخطر ببالي كثيراً وأنا أنجز مشروعي، ولم أواجهها. مسيو فوكو نحن نقترحها على حضرتك، انظرِ بتمعّنٍ إلى حروبنا وتحالفاتها، ستتيقن من  إصرار بعض مثقفينا على منطق يبدو عقلانياً للوهلة الأولى، إلى حدّ متقن صارم، من أجل أن يصبّ في النهاية في تيّار النهر اللاعقلانيّ العريض الذي يُغْترَف ويتموّل منه. النهر الخَرِف.
من نافلة القول إنني مثل غيري أقرأ فوكو خاصّتي (تبعي، بتاعي، حقي، مالتي، متاعي، دَيّالي، وكلها أدوات تَملُّكٍ عاميةٍ عربية)، لعلي أجد فيه أجوبة لأسئلةٍ تؤرقني وثقافتي، ولعلي مثل كلّ قارئ يفتش بالأحرى عن (كاتبٍ خاصته) في أعمال الأخير، غير متوقِّف – بل غير مُعترِف - إلا بصعوبة بالجانب الموضوعيّ المُعقَّد للكاتب نفسه، بثمن اختصاره وابتساره، كما قد أفعل.
تعالوا في هذا الشرط المريب لقراءة كتاب فوكو تاريخ الجنسانيّة، الجزء الثاني بعنوان (استخدام المَلذّات L'Usage des plaisirs) المنقول إلى العربية بعنوان (استخدام المُتَعِ)، ترجمة محمد هشام عام 2004.
استخدم فوكو الجسد ورغباته وتعبيراته بصفته كاشفاً عن آليات السلطة في المجتمعات الغربية المعاصرة. ورأى أنه سبيل سلطويّ مهمّ لتمرير "سلطة مُضْمَرة، ورقابة سياسية مُهذّبة". تفترض السلطة أن طاقات الجسد تعرقل سياساتها، لذا يتوجّب امتلاك (جسد الآخر) وترويضه في نطاق أنساقها. ويذكر أن تقنية السلطة غيّرت من أسلوب التعامل مع الجسد، فلم يعد القتل من وظائفها كما كان من قبل، بل أصبح الاهتمام مصبوباً على (الجسد نفسه)، إدارته وتدبيره، ويعتبر أن السلطة المُمارَسَة على الجسد كانت من عناصر نمو الرأسمالية. خطاب الجسد المُعْلَن والمُطبَّق إذنْ هو خطاب السلطة المُغلَّف، حسب فوكو الذي قد لا يفكر مثلنا أن الجسد، في شروط "التقدُّم التقنيّ والراسماليّ" لدينا الآن، ليس خطاباً سلطوياً مُغلَّفاً. بل هو صريح جليّ، باسم العقل نفسه على الدوام، ومناهض للعقل جوهرياً: الجلد العلنيّ والرجم، شراسة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، شرطة الآداب العامة، ثم خطابات اجتماعية عُرْفيّة أيضاً، يتناقض بعض معتنقيها مع أنفسهم ومع اتجاهاتهم العلمانية والعقلانية.
المُفارَقة، مسيو فوكو، أن السلطة التي حاولت عَقْلَنَة جنون الجسد عندنا، منذ رجوع الشيخ إلى صباه حتى اليوم، لم تفعل سوى جعله مُوْغِلاً في (الباه)، عاصياً ومُغامِراً وساخراً منها، في السرّ أكثر من العلن: عقل الجسد ضدّ عقلانية السلطة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

قناطر: الزبير والمُستزْبِرون

العمود الثامن: من يحاسب ضباط الداخلية ؟

هل تعد واشنطن لاتصالات سرية مع إيران؟

قناديل: خسر كوبولا ملايينه. هل ربح نفسه؟

التحدي الوجودي للمشرق العربي

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram