TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > في معنى الرثاثة

في معنى الرثاثة

نشر في: 16 إبريل, 2016: 09:01 م

لا أخطر على شعب من الشعوب أعظم من خطر ضياع القيم، ومن فقدان الهوية الوطنية واستخفاف الناس بثوابتهم في الحياة. ما يحدث اليوم في العراق من ضياع للقيم وفقدان للهوية الوطنية واستخفاف بالثوابت أمر مريع، ومن يتابع هذه وتلك، ويغوص في لجة ما عصف بالحياة العراقية قبل وبعد 2003 والى اليوم، لن يتأمل خيراً في مستقبل الشعب.
قد لا يكون الخوض في حالات مثل انعدام الأمن وانخفاض مستوى التعليم او التراجع في الخدمات والصحة والاقتصاد بياناً واضحاً لذلك، ذلك لأنَّ تراجعات مثل هذه قد تحدث في شعب ما، لسبب من الاسباب، لكن متابعة ومعاينة ما هو أصغر وأدق ينكشف لنا عن حقائق كبرى، تنبئنا بصعوبة الحلول واستحالة التغيير في القريب من السنوات.
أقفُ في نقطة ما، في مركز المدينة واتطلع الى أحدهم، رجل في الخمسين من العمر، يرتدي دشداشة سوداء، يعتمر كوفية خضراء أو زرقاء، نصب سرادقاً من شعر الماعز دعّمه بالخشب والحديد، على الرصيف المحاذي للنهر، قل أخذ الرصيف كله، ولكي لا يمكّن البلدية من إزالته، خط على واجهة السرادق عبارات بأحرف يائسة، رسم وجوهاً صريعة وسيوفا تقطر سائلا أحمرَ، ثم أن الناس راحت تعاضده، توقد النار، تطبخ معه، ومع مضخّم الصوت تتسع صورة المشهد، تتعاظم المناسبة. لم يسأل أحدُهم الرجلَ، كأن يقول له: لِمَ سلبت المارة حقها في الرصيف، أو أن النار تفتت المقرنص فيه، أو أشياء مثل أين ستلقي بالصحون والملاعق وفضلة  الطعام .. لا ، أبداً. هنالك استجابة للفعل يعبر عنها بالأيدي والعيون.
  يدخل مفتش التربية مدرسةً ما، في مدينة اختلطت فيها الطوائف والاديان، يجلس في غرفة المدير أو في غرفة المعلمين، وتجول عيناهُ في حيطان الغرفة هذه او تلك، يقرأ أسماء اثني عشر رجلاً، خُطّت في قطعة من الكارتون أسماء رجال محترمين بالتأكيد، يرى صوراً لطالما شاهدها في المسجد او عند بيت جيرانهم، يدخل معلم بذقن شعثٍ أسود، فلا يثير انتباه المفتش شيئاً، ثم تتفحص عيناه الصور والحروف والكلمات والهيئات، يمسك كتاب التربية الوطنية أو الاسلامية أو التاريخ، يتصفح ويقرأ، فلا يستوقفه أمر من هذه او تلك. وقبل ساعة خروجه  يسجل اعجابه في دفتر يحتفظ به المدير في خزانته. لقد أتم المفتش جولته وعاد.
   كل يوم يجلس مثقفو المدينة في المقهى التي اعتادوا الجلوس فيها، الكثير منهم سافر وعاد، ذهبوا سائحين ومصطافين في بلدان سعيدة جميلة، دخلوا المتحف والحدائق العامة، ارتادوا النوادي الليلية والمقاهي والمطاعم، تمتعوا بمنظر البحر على الأرصفة في المدن التي تحيطها البحار. يتأفف البعض منهم من ما حوله. لكنهم، متطامنون، متصالحون مع مقاعد المقهى هذه، ألفوا المكان والنادل البنغالي، بثوبه الداكن، ترعة الماء الاسود النازلة من الفنادق والبيوت والمطاعم، لقد دخل المشهد غير المنتظم هذا تاريخهم الشخصي،  صار جزءاً من حديثهم في الشعر والرواية واللوحة. أنا أيضاً أحد الجالسين فيها.
  بائعة السمك تهش أطنان الذباب الذي تجمع على طشتها، هي تهشه، إذا أقبل احدنا عليها متبضعا، وتصمت عنه تنشغل برضاعة طفلها إذا لم نأت، لكننا نبحث عن السمكة الطويلة الممتلئة، ومثل ذلك نفعل مع البقال وبائع الحلوى. الذباب يعمل معنا على تسوية مصالحتنا مع السوق والبائعين.
  كل يوم يأخذ المحافظ ورئيس المجلس ومعهما اعضاء الحكومة طريقهم الى المبنى الحكومي، مارين بعشرات ومئات المشاهد القبيحة، الرصيف بغباره والنهر بأوساخه ومياهه القذرة، بالرجل ذي الدشداشة السوداء ببائعة السمك وبمقهى المثقفين وبمفتش التربية لكنهم لا يشعرون بشيء، هم أيضا تطامنوا، تصالحوا مع المشهد الوطني العام.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram