TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الدادائية قرب بيتي

الدادائية قرب بيتي

نشر في: 13 مايو, 2016: 09:01 م

عادة لا تهمني المسافات ولا الوقت في متابعة المعارض الجميلة والمهمة، وأحاول أن أتابع ما يجري حتى لو كان ذلك في مدن بعيدة جداً. أسعى بكل تأكيد لمشاهدة المعارض التي تعرض هنا وهناك والاطلاع عليها لأستعيد حقبة مهمة من الفن التشكيلي هنا ومفترق طرق في الإبداع هناك. وحين افتتح مثلاً هذا الاسبوع معرضاً لأعمال فنية تعود للمدرسة الدادائية، كان ذلك يوماً جميلاً وخاصاً بالنسبة لي، إنه أمر مشوق بالتأكيد، لأهمية الدادائية في تاريخ الرسم بشكل خاص والإبداع بشكل عام، هذه المدرسة التي لم تبق سوى سنتين وتفرط عقدها، لكنها مع ذلك أثرت على قرن كامل من الثقافة والإبداع وكل ماله علاقة بالتجديد والجرأة وزراعة أرض لم يحرثها أحد من قبل. وهاهي المناسبة المهمة تأتي بافتتاح هذا المعرض الذي يقام بمناسبة مرور مئة سنة على ظهور الدادائية ومدى تأثيرها على كل ثقافة وإبداع القرن العشرين، بل زحف هذا التأثير ليصل الى يومنا هذا. الجميل في هذا المعرض هو أني لم أشغل نفسي بالوقت ولا بطول الطريق الذي سأقطعه لمشاهدة الأعمال، لأن مكان المعرض يبعد بكل بساطة خمس دقائق عن بيتي. قطعت المسافة مشياً نحو متحف دراختن حيث يقام المعرض الذي احتوى على أعمال الكثير من فناني الدادائية الكبار، يالها من مناسبة تحمل جاذبية من نوع خاص وتشويق لا يحتمل التأجيل.
دخلت المتحف واتجهت الى مكان بيع التذاكر، وهناك استقبلتي امرأة بابتسامة عريضة ووجه مريح وهي ترد على تحيتي وتقول، أنا أعرفك، لقد زرت مرسمك ذات مرة، فأجبتها، هذا جميل، شكراً لأنك تتذكرين ذلك، بعد لحظات اخذت منها بعض المطبوعات المتعلقة بالمعرض ودخلت للمشاهدة. كانت لوحة "الراقصة" للفنان هانز آرب أول من استقبلني، بألوانها التي يطغي عليها الأزرق والأحمر مع بعض الألوان الداكنة، وكأن هذه الراقصة تدعوني لمشاهدة المعرض والغوص في تفاصيلة. وهكذا تنساب الأعمال الجميلة أمامي، مثل تخطيطات كارلو كارا التي تقترب من الغرافيك ويظهر فيها بشكل واضح تأثير الفنان دي جيريكو، ثم تخطيطات للفنان والشاعر تريستان تازارا المكتظة بالأشخاص والوجوه ذات التعبيرات المختلفة التي تتخللها أيضاً شخصيات حيوانية أو خرافية. وفي جانب آخر من المعرض عرضت مجموعة كبيرة من المطبوعات والأفيشات التي كان الدادائيون يستعملونها للدعاية لمعارضهم أو أمسياتهم الثقافية التي كانوا يقيمونها عادة في المقاهي، وفي الجهة المواجهة تُعرض صور لبعض قصائد الشعراء الذين ينتمون الى هذه المدرسة، والتي كتبوها بطرق غريبة ومختلفة. أسترسل مع أعمال المعرض لأصل الى أعمال العبقري متعدد المواهب مان راي الذي عرضت له هنا أعمال عديدة مثل عمله الذي يمثل مكواة حديدية ثبّتَت على جهتها التي تلامس الملابس مجموعة من المسامير، وكذلك عمله النحتي الذي يمثل الماركيز دي ساد (الذي اشتق فرويد من اسمه تسمية السادية) وكذلك عمله (نابض الوقت) الذي استعمل فيه مجموعة من الأسلاك اللولبية. وهكذا يتواصل عرض أعمال أخرى لعباقرة كبار مثل مارسل دوشامب وفرانسيس بيكابيا وجورج غروز وبول سترون وغيرهم الكثير.
تأسست الدادائية في مدينة زيورخ السويسرية واختار لها هذا الاسم الشاعر والفنان الروماني تزارا حين طلب من زوجته أن تضع اصبعها بسرعة على أول كلمة تراها حين يفتح القاموس الفرنسي الألماني، وحين فتح القاموس، وضعت سبابتها على اول كلمة رأتها، وكانت كلمة دادا، ومعناها (حصان خشبي يلعب به الأطفال) وهكذا سميت هذه المجموعة واتجاههم الجديد بالدادائية، والتي ضمت الكثير من المبدعين المؤسسين أو الذين انضموا اليهم فيما بعد أمثال تزارا وكارا ودوشامب ومان راي وبيكابيا وغيرهم الكثير. في 14 تموز قرأ تزارا البيان الأول للمجموعة في كاباريه فولتير، وبعد فترة أغلق الكاباريه ليتوزع أفراد الجماعة في أوروبا وحتى أمريكا لتنشر أفكار الدادائية في كل مكان تقريباً، والى هذه اللحظة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram