يدفع الواقع الرديء الى استخدام لغة رديئة لمواجهته، وسيكون من الصعب الاستمرار بالحفاظ على لغة انيقة في مهرجان الارهاب والسرقة والفشل الذي نعيشه، المواطن يريد ان يعبر عن اقصى درجات غضبه ويتخلى عن مسؤوليته، الاعلامي يريد التغطية على الحلقة المفرغة التي
يدفع الواقع الرديء الى استخدام لغة رديئة لمواجهته، وسيكون من الصعب الاستمرار بالحفاظ على لغة انيقة في مهرجان الارهاب والسرقة والفشل الذي نعيشه، المواطن يريد ان يعبر عن اقصى درجات غضبه ويتخلى عن مسؤوليته، الاعلامي يريد التغطية على الحلقة المفرغة التي يدور فيها منذ سنوات وسط شحة في الحقائق والمعلومات ويجذب اكبر عدد من المشاهدين الغاضبين، السياسي يريد الهرب من واجبه في ايجاد الحلول للازمات، كل هؤلاء بحاجة الى الشتائم لإنقاذهم من خيبتهم وفشلهم وسيكون الشتام الاكبر هو الاكثر نجاحا بينهم، الهدف الموحد هنا هو التملص من المسؤولية، وغالبا ما يشعر المواطن بالرضى عن ابرع الشتامين لأنه يساعد المواطن في التخلص من شحنة غضبه وهذا المواطن المسكين لا يهتم كثيرا بدرجة تورط هذا الشتّام في تدمير حياته.
عمليا، لدينا ساسة حصدوا الكثير من الاصوات بسبب الشتائم رغم انهم لم يقدموا للمواطنين خطة واضحة عما يمكن ان يفعلوه لمعالجة الازمات وحل المشاكل، والسياسي الشتّام هو بالضرورة انسان ثرثار يعد بالكثير لكنه يرفض الوضوح والتحديد ويتميز ايضا بيد تتحرك كثيرا اثناء الكلام وبصوت غاضب و"خلقة عكرة" وزلات لسان واخطاء فادحة، انه غاضب بسبب فشله لكنه يمثل دور الغاضب حرصا على الوطن والمواطن، هذه الصورة المخادعة محببة لدى الجمهور، الشتّام يبسّط الامور ويختزلها "فلان كاذب"، "فلان سارق ولص"، "فلان طائفي او ارهابي"، هنا يشعر المواطن بالارتياح ويضيف من عنده "كلكم متشابهون"، وفي النتيجة لا السياسي الشتّام يفعل شيئا ولا المواطن يغير ولاءاته السياسية او قراراته الانتخابية، الجميع مرتاحون لهذا التدهور في اللغة والتفكير والاداء.
يغص الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالشتائم، ويتسابق الشتامون في ما يظنونه شجاعة وجرأة والافدح هو شيوع التصور بإن الشتائم هي اراء سياسية ولذلك يتم تكرار الاكذوبة عن "معرفة كل العراقيين بالسياسة" بينما الصحيح هي اننا نعرف التهرب من المسؤولية وتبرير تفاهة وفشل زعمائنا ومحاولة قتل مخالفينا بالكلام مادمنا لا نقوى على قتلهم بالسكاكين او بالرصاص.
الشتيمة هي طريقة للقول اننا لا نتحمل اي مسؤولية عما يحدث ولن نفعل شيئا لإيقاف الانهيار حتى نصل الى لحظة الانهيار فعلا ليتحول العنف اللفظي الى عنف مادي في اقصى درجات القسوة وهو عنف بلا هدف حقيقي مثل الشتائم، القسوة (في الكلام والفعل) الناجمة عن الغضب هي حتى ليست عملا ثوريا فالثورة دائما تمتلك اهدافا واضحة تعلن عنها بصيغ مختلفة قبل زمن طويل من انطلاق شرارتها، القسوة لذاتها هي لحظة جنون ربما بسبب تراكم الآلام لكنها لا تندرج في الفعل السياسي وكل ما يقال عن جدوى القسوة سياسيا هو نتيجة لأمراض نفسية ولمحاولات الهروب من المسؤولية.
نحن نغرق اليوم في مستنقع الشتائم المستمد من تاريخ طويل من الشتائم يعضده تراث أدبي هائل وبالأخص في شعر الهجاء، كل آداب الشعوب فيها هجاء مقذع ومخجل احيانا، لكن ما ينقذ هذه الشعوب في النهاية هو الافكار الواضحة والخطط المحكمة، لذلك لا تعتبروا منح المايكرفون لمواطن يشتم لربع ساعة عملا اعلاميا ولا تعتبروا سيلا من الشتائم يطلقه سياسي برنامجا للاصلاح، الشتائم قد تريحنا مؤقتا لكنها بالتأكيد لن تنقذنا










