في الوقت الذي يستعيد العراق مناطقه ببطء من داعش، فإنّ الثقة بالحكومة تهتزُّ لدى الكثيرين لاسيما الشيعة الغاضبين من الفوضى السياسية والتفجيرات المستمرة في العاصمة بغداد. وأعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي منتشياً بداية العمليات العسكرية لاستعادة مدينة ال
في الوقت الذي يستعيد العراق مناطقه ببطء من داعش، فإنّ الثقة بالحكومة تهتزُّ لدى الكثيرين لاسيما الشيعة الغاضبين من الفوضى السياسية والتفجيرات المستمرة في العاصمة بغداد. وأعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي منتشياً بداية العمليات العسكرية لاستعادة مدينة الفلوجة من داعش واعداً برفع العلم العراقي عالياً مرة أخرى في سماء المدينة. واشتبكت القوات العراقية عقب كلمة العبادي – بدعم من الطائرات الأميركية - مع المتطرفين على أطراف الفلوجة.
لكن في بغداد مازال الكثير من المواطنين يعانون من سلسلة الهجمات الانتحارية التي يشنّها داعش، فقبل أيام فجّر أسواقاً مزدحمة ونقاط تفتيش ومطعماً ومقهى ومصنعاً للغاز، وأودت هذه التفجيرات بحياة أكثر من 200 شخص.
وبدلاً من ان تزرع هذه الهجمات الخوف لدى المواطنين فانها أججت غضباً من النخبة السياسية. واقتحم مئات المحتجين – بمن فيهم عوائل ضحايا التفجيرات – المنطقة الخضراء الحصينة الجمعة مطالبين بتحسين الوضع الأمني وبالإصلاح الحكومي.
لكنّ القوات العراقية أطلقت الغاز المسيل للدموع والعتاد الحي على الحشود ما أودى بحياة اثنين من المحتجين وأصيب عدد من أفراد الجيش بجروح. كانت تلك المرة الثانية خلال شهر واحد التي يقتحم فيها المحتجون المنطقة الخضراء.
الغضب المتصاعد يتوسع الى انقسامات محتملة خطيرة بين الأطراف الشيعية ذات النفوذ. كلا الاحتجاجين داخل المنطقة الخضراء كان يهيمن عليهما أتباع مقتدى الصدر الذي يقود حملة احتجاجات ضد الحكومة كانت تطالب في البداية بالإصلاح الحكومي، لكنها الآن تطالب أيضاً بالمساءلة والمحاسبة في ضوء الخروق الأمنية التي سمحت لداعش بتنفيذ موجة الهجمات الأخيرة.
وقال الصدر، في تصريح عقب اشتباكات الجمعة "تبّاً للحكومة التي تقتل أبناءها بدم بارد".
عرض القوة هذا حفّز الأطراف الأخرى المنافسة على الانتشار في الشوارع ،وكل منها يتعهد بحماية العراقيين، ما يثير مخاوف من الاحتكاك أو العنف بين مختلف الأطراف. وبعد ساعات على العنف الذي ساد أطلق مسلحون النار على مقر منظمة بدر - المنافس للصدر - في مدينة العمارة الجنوبية دون وقوع ضحايا. واتُهم مسؤولو قوات الصدر بالحادث.
وقال علي حسين، المسؤول في منظمة بدر، "هناك من يريد قتالاً بين الشيعة، لكننا لن ننجرّ الى القتال، هدفنا الوحيد الآن هو قتال داعش". الانقسام بين الأطراف الشيعية يعكس الانقسامات المستمرة بين الأحزاب التي تدعمها، حيث يبدو ان الشلل المتزايد يصيب القيادة السياسية في البلاد. وعدت حكومة العبادي بإصلاحات للحد من الفساد المستشري لكنها لم تتمكن من ذلك حيث عجز البرلمان عن عقد جلسة لرفض الكثير من النواب الاجتماع بسبب مخاوف من اقتحام المحتجين مبنى البرلمان.
وقالت سيدة عراقية خلال زيارتها لمرقد سيد إدريس في العاصمة ان التفجيرات تكشف فساد القيادة وعدم كفاءة القوات الأمنية، "سياسيونا مجرد دمى تحرّكها أيدٍ أخرى".
وبعد أيام على زيارتها ضرب صاروخ مجمّعاً قريباً من المرقد. ودخل مسلحون من أطراف شيعية على الخط لتوفير الأمن بعد اتهامهم الشرطة والجيش بالفشل في توفيره.
وبعد تفجيرات مدينة الصدر قال أحد قادة سرايا السلام التابعة للتيار الصدري ان "الثقة منعدمة بالقوات الأمنية". وخلال الشهر الماضي عندما اقتحم أتباع الصدر المنطقة الخضراء لم تفعل القوات الأمنية شيئاً، لكن جماعات مسلحة أخرى نزلت – بينها خصوم للصدر – الى الشوارع المحيطة بالمنطقة الخضراء لحفظ الأمن.
ويقول عقيل الربيعي، صاحب محل قرب المنطقة الخضراء، انه شعر بالصدمة من تدفق أولئك المقاتلين "اعتقدت حينه ان الدولة انهارت. أنا قلق بشأن القتال لو وقع بين الشيعة، فالكل لديه السلاح والمال وقد نزلوا الى الشوارع".
ويصوّر المسؤولون زخم التفجيرات في العاصمة بأنه دلالة على يأس مقاتلي داعش وهم يخسرون أمام القوات العراقية المدعومة من الضربات الجوية للتحالف الدولي. لكن هذه الانتصارات يراها الكثيرون جوفاء وسط سيل الدماء في شوارع بغداد والفوضى الحكومية.
ويعتقد حسين محمد – 70 سنة من مدينة النجف – ان الأزمة السياسية في بغداد هي التي حفّزت هجمات داعش، حيث قال "يجد الإرهابيون فرصةً في هذه الأزمة. انهم يستغلون هذه المشاكل".
ومنذ عقد من الزمن وأهالي بغداد يواجهون التفجيرات، لذلك حتى الهجمات المروعة لا تزعج الكثير من جوانب الحياة، فبعد التفجيرات الأخيرة بقيت المطاعم والمولات والأسواق مليئة بالناس حتى في المناطق القريبة من التفجيرات. لكن عدم الانزعاج لا يعني عدم الخوف.
أما التحوّطات الأمنية فأصبحت طبيعة ثانية راسخة في عقول الناس. داخل مجمّع مرقد سيد إدريس تزهو السقوف والأعمدة بالزخارف والأعمال الزجاجية. أما خارج المجمّع فانه مغطى بالأتربة والشظايا منذ الاجتياح الأميركي للبلاد عام 2003، كما ان الطرق المؤدية الى المجمّع مقطوعة بالحواجز الكونكريتية والبوابات ونقاط التفتيش.
ويذكر المواطن البسيط محمد انه يتجنب المطاعم والأماكن المزدحمة والمتنزهات، "أشعر وكأني لا أعيش الحياة بكاملها".
من جانبه دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي المحتجين الى عدم التظاهر في بغداد يوم الجمعة ،لأن القوات الأمنية تتحشد لمعركة استعادة الفلوجة من داعش. حيث قال متحدثاً من مركز قيادة العمليات التي أعلن عنها في 22-23 من الشهر الحالي "أدعو شبابنا الى تأجيل احتجاجهم غداً، لأن قواتنا الأمنية منشغلة بالقتال الدائر في الفلوجة".
وتم إرسال عشرات الآلاف من القوات الأمنية الى قاطع الفلوجة لشن هجوم يهدف الى استعادة المدينة من مجموعة داعش. بقيت المدينة – التي تبعد 50 كيلومتراً غرب العاصمة بغداد – خارج سيطرة الحكومة منذ كانون الثاني 2014 ومازالت هي والموصل تحت سيطرة داعش.
وأوصى العديد من القادة العسكريين وشركاء بغداد في التحالف الدولي بتركيز الجهود على تحرير الموصل أولاً، لكنَّ مراقبين يقولون ان شنّ عملية الفلوجة منح العبادي مهلةً سياسية.










