TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل تغيرت أساليب الشرطة اليوم ؟

هل تغيرت أساليب الشرطة اليوم ؟

نشر في: 28 مايو, 2016: 09:01 م

لو كنت أعلم بأن ممارسات الشرطة العراقية ستبقى كما هي عليه في عهد نظام صدام حسين الى اليوم، لما سمحت لدموعي وهي تسقط فرحا وابتهاجاً، وأنا أراهم واقفين في تقاطع بالبصرة، قرب مبنى المحافظة القديم، شباب بعمر الزهو والتغيير، وقفوا بعصيهم، بملابس من الجيش البريطاني، وقفوا في محاولة أولى لرؤية مشهد أمني عراقي جديد، لا ظلم ولا ظالمين فيه، لم يمنحوا سلطة ما، آنذاك، فهم رديف وطني لجيش محتل، أخذ على عهدته مهمة حفظ أمن الناس في المدينة، التي تخلصت من أقبح نظام وحشي أمني قاتل في العالم. كنت سمحت لدموعي تنهمر، فرحة باليوم العراقي الأول، لكن ذلك لم يستمر طويلا، فقد تكشفت حقيقة أخرى، حقيقة تقول: أنْ لا تغيير في سلوك الشرطي العراقي، حتى لو تتلمذ على أيدي فقهاء الحوزتين في النجف وقم.
يبدو أن الحكاية العراقية التي تقول بأن الشرطي إذا أحيل إلى التقاعد بعد الخدمة الطويلة، سيظل يجلس في المقهى التي تقابل مركز الشرطة الذي قضى خدمته فيه حكاية صحيحة وعراقية بامتياز، وبمعان أخرى، إذ لم يلمس المواطن العراقي تغييراً واضحاً في سلوك الشرطي في مرحلة ما بعد سقوط النظام، لأننا ما زلنا وحتى اللحظة هذه، نقرأ ونسمع كلمات مثل جيب للضابط غداء من المطعم الفلاني، أو عشّييت اخوانك الشرطة، أو جيب عشرة آلاف دينار مال استنساخ، أو ودير بالك على المامور اللي وياك، أما الشتائم التي تكال للموقوفين فحدث ولا حرج، أما ربط الأعين والضرب والتفنن به وغير ذلك فقد أصبحت من البديهيات. وما منظر البيوت والبساتين والسيارات والارصدة التي يتمتع بها الكبار منهم فلا حجة لنا عليهم إلا حين يقال لنا بان منصب مأمور مركز شرطة الـ..... اشتراه المقدم أو العقيد فلان الفلاني بـ عشرة مليون دينار. ولا أسرار في هذه عند الناس، بل ولا دليل على السلوك هذا، إلا من خلال ما نشاهده من التفجيرات في مدننا وانتشار العصابات والاتجار بالمخدرات وغيرها.
تمسكُ الشرطة أحد المواطنين متلبساً بشراء قنينة عرق ويودعه الرجالُ المخفر، وتمسك آخر بذات التهمة وتودعه المخفر وياتي ثالث ورابع وخامس .... وحين يبدأ التحقيق، وهو غالبا مما يتم ليلاً، ذلك لأن الليل فرصة لتولي هؤلاء على هؤلاء، سيبدأ السؤال التقليدي : من أين اشتريت ؟ فيجيب الجميع اجابة واحد بقولهم : من أم فلان !!!  لكن أم فلان تقول وبقوة للشرطي وللمفوض وللضابط أيضاً: لن تنالوا مني شيئا، فبرفعة فخذ واحد منّي، أنسف المخفر ومن فيه. نعم، فالمراة تشير الى من هو أكبر من المخفر، وإلى جهاز أقوى، والى كيان أشد عزما وقوة، أما الفقير المودع في التوقيف لأنه فقد هويته في سوق ما، أو أضاع واحدة من ثبوتيات شخصيته فما عليه إلا أن يدفع ويتحمل ثمن المكالمة الهاتفيه التي سمح الشرطي باجرائها مع أهله والتي كلفتها تبلغ 25 ألف دينار. وينجب(الجيم فارسية) . نعم، اما سعر علبة السكائر فتصل الى الخمسين الف وتزيد أحيانا.واسألوا أهل السجن إن كنتم لا تعلمون يا قيادات الشرطة.
  يأتي القاضي ليفتش المخفر ويتفقد أحوال الموقوفين، لكن مأمور المركز يدخل السجن قبل ذلك مهدداً متوعداً بقوله: (اللي يفك حلكه مع القاضي ويشتكي، يعرف مصيره بالليل)، فيصمت الموقوفون. هنالك رعب حقيقي، وهنالك إذلال حقيقي وهنالك ابتزار وخوف ورعب وجرائم بحق الانسانية ترتكب بحق اناس اوقفوا لأتفه الاسباب، فمخالفة مرورية او قيادة سيارة بدون إجازة قد تكلف بعض المغفلين، الذين لا حول لهم ولاقوة حياتهم وأموالهم وشرفهم، ذلك لأن الشرطة العراقية اليوم، مع إحترامنا وتقديرنا للشرفاء المضحين منهم  وريثة أمينة بحق لاخلاق وقيم النظام السابق، إن لم تزد عليه .
أنا اطالب هيئات النزاهة في البرلمان ومجالس المحافظات ودوائر المفتش العام بثمن دموعي التي انهمرت فرحاً وبهجة بعد سقوط النظام.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram