TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "في الليل": قراءة

"في الليل": قراءة

نشر في: 5 يونيو, 2016: 09:01 م

كتب السياب قصيدة "في الليل" في مستشفاه اللندني، في الشهر الثاني من عام 1963. القصيدةُ تتوزع على مقدمةٍ، ومشهدين، وخاتمة. ولذلك، وبالرغم من أنها تعتمد الصورةَ البصرية، إلا أني أتابعها كما لو كنتُ أتابع عملاً موسيقياً. المقدمة تكتفي، شأن العمل الموسيقي، بتنبيه المشاهد المستمع على المشهد الواقعي:
الغرفةُ موصدةُ البابِ
والصمت عميقْ
ومع مفردة "رُبّ"، التي تفتح أفقاً للاحتمال، يبدأ المشهد الثاني. وهو مشهد يشكل الاحتمالُ جانبَه الخيالي غير المرئي. يتم على هيئة توقع، يصدر عن صوت المتحدث في القصيدة في جزء منه، والذي يبدأ مع "رُبّ". ثم على هيئةِ همسٍ يصدر عن الثياب المعلقة: طريقٌ خلف الشباك يتنصّتُ ويترصّد، ثيابٌ سود تتنفسُ وتحسُّ بفعل هيمنة الصمت المطلقة. في حين يشكل الواقع الحقيقي جانبَه المرئي، المحسوس: ستائر، شبّاك، ثياب معلقة، باب موصد:
ستائرُ شباكي مُرخاةٌ ... رُبّ طريقْ
يتنصّتُ لي، يترصّد بي خلف الشباك، وأثوابي
كمفزّع بستان، سودُ
أعطاها البابُ الموصودُ
نفَساً، ذرّ بها حسّاً، فتكاد تُفيقْ
من ذاك الموت، وتهمسُ بي، والصمتُ عميقْ:
"لمْ يبقَ صديقْ
ليزورك في الليلِ الكابي
والغرفةُ موصدةُ البابِ."
هذا الصمت الموحش، الذي عادة ما يشعر به مريض المستشفى في الليل، هو المعزول في غرفة خاصة، فتقَ ذهنَ السياب عن هذه الثنائية: الواقع وما وراء الواقع. وكأن عالمَ الموتى السحري، الذي طالما سعى السيابُ إلى خلقه، ينبعثُ حياً هنا، في دراما بالغة الحيوية. بعدها، في المشهد الثاني، يدخل المتحدثُ مرحلةَ الفعل. ينتفضُ ويلبسُ ثيابه، ويسري (من السُرى الليلي، لا من السير على قدمين)، لأن الفعلَ يتم في الوهم، في الجانب اللامرئي من الحياة. هنا تُصبح الحركةُ الموسيقيةُ أكثرَ حيويةً، حتى لتبدو راقصةً، لأن السياب يُسارعُ إلى المقبرةٍ للقاء أمه:
ولبستُ ثيابي في الوهمِ
وسريتُ: ستلقاني أُمي
في تلك المقبرةِ الثكْلى،
ستقول: "أتقتحمُ الليلا
من دون رفيقْ؟
جوعان؟ أتأكل من زادي:
خرّوبَ المقبرةِ الصادي؟
والماءُ ستنهله نهلا
من صدرِ الأرضِ. ألا ترمي
أثوابك؟ والبسْ من كفني،
لم يبْلَ على مرِّ الزمنِ؛
عزريل الحائكُ، إذْ يبلى،
يرفوه، تعالَ ونمْ عندي:
أعددتُ فراشاً في لحدي
لك يا أغلى من أشواقي
للشمسِ، لأمواه النهرِ
كسْلى تجري،
لهتافِ الديك إذا دوّى في الآفاقِ
في يوم الحشرِ"
أيةُ مسرّةٍ راقصة، ولكن سوداء! يشعرُ السياب أن المشهدَ قد بلغ ذروتَه، بعد هذا التصاعد الحيوي. وهنا يحتاج أن يعود باللحن إلى مستقرّه، فيكرر مطلع هذا المشهد الثاني، ولكن بصوت هادئ خفيض هذه المرة:
سآخذُ دربي في الوهمِ
وأسير ستلقاني أمي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. إبراهيم عبد الملك

    منذ ثياب الامبراطور.. وكل قراءة في شعر السياب تحمل اكتشافاً جديداً. هائلٌ هذا التأمُّل في عالم الموتى السحري، الذي طالما سعى السياب إلى خلقه ، أستاذي!

  2. إبراهيم عبد الملك

    منذ ثياب الامبراطور.. وكل قراءة في شعر السياب تحمل اكتشافاً جديداً. هائلٌ هذا التأمُّل في عالم الموتى السحري، الذي طالما سعى السياب إلى خلقه ، أستاذي!

يحدث الآن

تعطيل الدوام غداً في ذكرى النصر على داعش

الخطوط العراقية: 1523 رحلة و214 ألف مسافر خلال تشرين الثاني

العدل: تأهيل 3000 حدث خلال عامين وتحديث مناهج التدريب وفق سوق العمل

إيران تكشف لغمًا جوّيًا يصطاد الطائرات المسيّرة من السماء

هيئة الرصد تسجل 8 هزات أرضية في العراق والمناطق المجاورة خلال أسبوع

ملحق معرض العراق الدولي للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: نصف قرن من التفوق

البَصْرة.. لو التَّظاهرُ للماء والنَّخيل!

كلاكيت: في مديح مهند حيال في مديح شارع حيفا

العمود الثامن: نون النسوة تعانق الكتاب

التلوث البيئي في العراق على المحك: "المخاطر والتداعيات"

العمود الثامن: سياسيو الغرف المغلقة

 علي حسين في السبعينيات سحرنا صوت مطرب ضرير اسمه الشيخ امام يغني قصائد شاعر العامية المصري احمد فؤاد نجم ولازالت هذه الاغاني تشكل جزءا من الذاكرة الوطنية للمثقفين العرب، كما أنها تعد وثيقة...
علي حسين

زيارة البابا لتركيا: مكاسب أردوغان السياسية وفرص العراق الضائعة

سعد سلوم بدأ البابا ليو الرابع عشر أول رحلة خارجية له منذ انتخابه بزيارة تركيا، في خطوة رمزية ودبلوماسية تهدف إلى تعزيز الحوار بين المسلمين والمسيحيين، وتعزيز التعاون مع الطوائف المسيحية المختلفة. جاءت الزيارة...
سعد سلّوم

السردية النيوليبرالية للحكم في العراق

احمد حسن تجربة الحكم في العراق ما بعد عام 2003 صارت تتكشف يوميا مأساة انتقال نموذج مؤسسات الدولة التي كانت تتغذى على فكرة العمومية والتشاركية ومركزية الخدمات إلى كيان سياسي هزيل وضيف يتماهى مع...
احمد حسن

الموسيقى والغناء… ذاكرة الشعوب وصوت تطوّرها

عصام الياسري تُعدّ الموسيقى واحدة من أقدم اللغات التي ابتكرها الإنسان للتعبير عن ذاته وعن الجماعة التي ينتمي إليها. فمنذ فجر التاريخ، كانت الإيقاعات الأولى تصاحب طقوس الحياة: في العمل، في الاحتفالات، في الحروب،...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram