بدءاً أنا بالضد من خلع اسم ( التجاري ) على اي جنس من الفنون، بما توحيه هذه الكلمة من أبعاد ومعانٍ، مقايضة، عرض، طلب، ثمن ومرادفاتها مما يتطلبه ضبط الايقاع الاجتماعي.. وبالتالي فإن النشاط الفني باعتباره احد تجليات الممارسة الاجتماعية يخضع بشكل أو بآخر
بدءاً أنا بالضد من خلع اسم ( التجاري ) على اي جنس من الفنون، بما توحيه هذه الكلمة من أبعاد ومعانٍ، مقايضة، عرض، طلب، ثمن ومرادفاتها مما يتطلبه ضبط الايقاع الاجتماعي.. وبالتالي فإن النشاط الفني باعتباره احد تجليات الممارسة الاجتماعية يخضع بشكل أو بآخر لهذا الناموس.. وهذا يعني أن (تجارية) الفن ليست سبّة ولا هي بالتهمة لكي يخلعها البعض على ما تعج به بعض خشبات مسارحنا، وكأن التجارة مقرونة بالضرورة بالقبح والسوء فنرمي بها كل ما لا ينفعنا..
وهنا أسأل :هل تأثرت عظمة رواية ( المساكين ) عندما باع دستوفيسكي حقوق نشرها ثمناً لسداد (500) روبل دينا عليه، وهل تخلت الأخوة كارامازوف عن موقعها كراوية عظيمة بمجرد أن نعرف أن هذا قد تسلم ثمناً قبل أن يكملها ليبدده على مائدة القمار، ثم أليست هي لوحات كوخ التي تعرضها المزادات العالمية الآن بملايين الدولارات التي شكلت له في حياته ( بضاعة ) يعتاش منها ؟ ولكي لا ابتعد أكثر، أعود مرة إخرى لموضوعنا عن ( تجارية) الفن، وعن ما يصر البعض على تسميته بالمسرح التجاري تمييزاً عن المسرح الجاد – ولا أدري لماذا الاصرار على كلمة ( الجاد ) ايضاً، وكأن هذا الاخير زاهد عن ثمن جهده، فما الفرق بين ايراد يأتي عن طريق شباك التذاكر وآخر يأتي عن ميزانية ترصدها مؤسسة الدولة.. وهو في النهاية .. ثمن .. وحتى لا أتهم بأني ادافع عن المسرح (التجاري) .. اذكر أني ما زلت في حدود استعمال كلمة (تجاري)، ولا بأس أن اقذف هذا المسرح بشتى الأوصاف السيئة ولكني اشترط أن لا تكون (التجاري ) من ضمنها، فهي كلمة ليست معيبة كما اسلفت، كما اني لا ارشح أية تسمية لهذا النوع من المسرح – الآن على الأقل – حتى نتفق على وظيفة هذا المسرح، إن كانت هناك وظيفة.
والآن، فليسمح لي أؤلئك الذين يهاجمون المسرح بوضع عدد من الاسئلة والحقائق اتمنى أن لا تبقى مؤجلة مدة طويلة، ما الذي فعلناه أزاء نشاط هذا المسرح على الاقل باقتسام نشاط نفوذه ( أعني الجمهور) غير مسرحيات النخبة والمعدة للمهرجانات، والهجوم المستمر عليه حد أن يطالب البعض بـ "منع" نشاطه بكل ما تحمله هذه الكلمة من قمع ومصادره.. والعزف على ديباجة الإسفاف، الضحك الرخص، الاستخفاف بالجمهور وما إلى ذلك.وأتساءل أيضاً : أليست هنالك معالجة (وسط) بين عالم دخان وكارمن مثلاً أو بين هبوط الملاك في بابل وملك زمانه.. بمعنى آخر هل أن استسهال المعالجة بـ "الردح والغناء" لا بديل له سوى التغريب والغموض في المسرح الجاد.
جرد بسيط يدلنا على أن معظم ما يقدمه المسرح التجاري موضوعات لمسرحيات عالمية وافكار جميلة .. ولكن .. بأية طريقة تقدم غير طريقة الخروج عن النص لمقتضى الحال و إزالة الكلفة مع الجمهور مثل زبائن في المقهى.. طريقة أن يعطي المخرج والمؤلف النص لمجموعة تتقافز على الخشبة ويقولون لهم اذهبوا انتم وجمهوركم وارتزقوا ونحن هاهنا قاعدون!!
أقول اخيراً.. أن كان لي أن اسلّم بخلع هذا اللقب على هذا المسرح بافتراض انه سيئ فلنتصارح بأن هناك مخرجاً تجارياً ومؤلفاً تجارياً وممثلاً تجارياً، وهكذا موسيقي وديكور وازياء والأسوأ من كل هذا – وياللأسف – جمهور تجاري.. نسي أمره اصحاب المسرح(الجاد) في غمرة دفاعهم عن مواقعهم، فانصرف هو عنهم.