"جزء ثالث"
قبيل الصباح فُتحت كوَّة زنزانتي ليطل عبر مربعها الحديدي وجه نظيف بنظارات طبية وياقة بيضاء بلا ربطة عنق، طبعاً، على وفق تعاليم الثورة الإيرانية. حدست أنه مسؤول كبير في السجن. تحدث معي بالفارسية التي ترجمها فورياً صبي نحيف الوجه بلهجة أهوازية قريبة جداً من لهجة الجنوب العراقي التي أتقنها تماماً.
سألني ذو الوجه النظيف بصرامة عن سبب اعتقالي فضحكت. ولما سألني لمَ أضحك أجبت: صدقني لا أعرف.
عقبت بلهجة المترجم الأهوازي: چا مو آني رحت أحجز للسفر إلى دمشق. شو حبستوني! چا هو السفر ممنوع وانا عندي ڤيزا؟
يبدو أن لهجتي تركت انطباعاً عاطفياً لدى المترجم نحيف الوجه، لكنه سكت. رد ذو الوجه النظيف ونظارته لم تزل تضفي على عينيه هيأة جلاد: أنت تكذب! رددت فوراً من دون أن أتنازل عن ثقتي ببراءتي: احترم نفسك: البريء لا يحتاج أن يكذب. قلت ذلك وأنا أبرز له وثيقة سفري المختومة بڤيزا سورية.
أغلق كوّة الزنزانة بوجهي ومضى.
عاد المترجم الأهوازي يسألني، يبدو أن لهجتي الجنوبية المتقنة فعلت فعلها: خوية انت منين؟
أجبت: من ميسان. قال: هل تحتاج شيئاً؟ رددت ساخراً: هل تستطيع إطلاق سراحي؟ ضحك ثم استدرك: لا خوية أنا مترجم بس. قصدي تحتاج أكل أو سجائر؟ قلت: سجائر فقط. قال أعطني فلوساً لأشتري لك. أعطيته ما طلب وغاب ولم يعد!.
قدموا لنا صحناً من طعام بلا اسم ولا طعم ولا رائحة: "شيئاً" يشبه الشوربة بلون بني، لم تنفع بنيويتي في تفكيكه بينما المؤلف يموت في زنزانة إيرانية عارية الجدران إلا من كتابات لم أفهمها حفرها من سبقوني وغادروا، أمواتاْ أو أحياء.
استلقيت على فرشة إسفنج عارية طبعاً من أي شرشف وما زلت أحسد صاحبي لأن في زنزانته قرآن. لمت نفسي لأنني لم أطلبه منه عندما كنّا في تلك النزهة: نزهة المراحيض. نمت بعد أن يئست من المترجم الأهوازي وسجائره.
أيقظونا صباحاً ثم قادونا للتحقيق. تحقيق بلا فطور صباحي.
حذرت صاحبي، في الطريق إلى التحقيق: إياك والتفاصيل. أجب بما تستطيع من عموميات. اترك لي التفاصيل رجاء.
وافق بلا اعتراض لكن جبينه كان متغضناً أكثر مما هو في العادة.
في غرفة بسيطة بلا أي أثاث واجهنا اثنان من المحققين يجلسان على الأرض فجلسنا قبالتهما أنا وحمودي، صاحبي الذي لم يزل. شابان وسيمان في عشرينهما.
بعد سؤالين أو ثلاثة عن اسمينا وعنوانينا ثم سؤال هو الأهم: كيف دخلتما إيران ولماذا؟ المترجم أحد الموقوفين معنا هذه المرة.
أجبت: نحن هاربان من الحرب. لا أكثر ولا أقل. الأكراد ساعدونا ولدينا "ڤيزا" إلى سوريا.
سألني أحدهما: كم عمرك؟
أجبت ثلاثة وثلاثون عاماً.
سألني الآخر: هل أنت متزوج؟ أجبته بالنفي.
سألني الأول مستنكراً: مسلم وتجاوزت الثلاثين ولم تتزوج؟
هنا أدركت أن التحقيق سخيف. ثمة أسئلة بايخة.
سألته أنا: هل لديك امرأة مناسبة؟ أنا أفضل الفارسيات. إنهن جميلات حقاً.
ضحك المحققان لأخمن أن قضيتنا ليست بالخطيرة.
همسا في أذني بعضهما ثم نطقا بالحكم: إفراج!
خرجنا إلى فضاء الله باحثين عن أقرب مطعم. ولما بلغناه طلبت كل ما لديهم من طعام. ولما ازدحمت الطاولة بما لذ وطاب من طعام الفرس الشهي حدقت بالصحون لكنني لم أتناول حتى لقمة واحدة.
إلى اللقاء في الأسبوع المقبل.
ليلة طهران
[post-views]
نشر في: 19 ديسمبر, 2016: 09:01 م