TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > فوكو.. درس في التربية

فوكو.. درس في التربية

نشر في: 30 يناير, 2017: 09:01 م

النفس هي نفس الإنسان لا الإنسان نفسه، والفرق شديد.
من أقدم وأشهر ما قيل عن النفس هي مقولة الفيلسوف المعلم الإغريقي سقراط: "إعرف نفسك".
معرفة النفس تسبق أية خطوة للتربية الذاتية، فلولا معرفة النفس لا سبيل إلى تربية أو تغيير أو تطوير أو تدبير.
معرفة النفس ليست شأناً شخصياً محضاً، بل هي مسؤولية أخلاقية تتصل اتصالاً وثيقاً بدور الإنسان في مدينته/وطنه/عالمه.
كم مرّت بنا تلك العبارة المتداولة من دون أن تستوقفنا كثيراً أو قليلاً، برغم أنها ترسبت في قاع ذاكرتنا عبر زمن التعلم والمكابدة والسعي نحو المعرفة.
معرفة النفس، مسؤوليةً، عناية بالوجود أيضاً، زماناً ومكاناً، عندما يدرك المرء دوره في المدينة أو الوطن أو العالم. ولا دور للمرء في التدخل بشؤون الحياة العامة من دون هذه العناية/الاهتمام: الاهتمام بالنفس.
الجهل بالنفس جهل بالمحيط، وبالتالي جهل بما نريد ونرغب ونحلم ونرتجي لوجودنا من صورة مغايرة غير الصورة التي هو عليها.
أعترف، بدءاً، بأنني لم أتأمل تلك الحكمة الإغريقية، مثل الكثيرين، كما ينبغي. برغم أنها ترسبت، كما عند الكثيرين، في قيعان ذاكراتي.
لكن فيلسوفاً فرنسياً حديثاً شهيراً هو مَن لفت انتباهي، أخيراً، إلى طبقات تلك الحكمة، بخلاف بساطتها الظاهرية. إنه ميشيل فوكو، في سلسلة محاضرات جامعية ألقاها، عام 1982، على طلبته في الكوليج دو فرانس، ضمها كتاب له، لاحقاً، عنوانه "تأويل الذات".
جعل فوكو من تلك الحكمة مدخلاً أولاً، رئيساً، لسلسلته تلك.
عدّ بعض الدارسين والمعلقين كتابه هذا (تأويل الذات) منعطفاً مهماً في سيرة صاحب "تاريخ الجنون" على أساس انغماسه الشهير في بحث تاريخ القمع والإخضاع والتأطير السياسي والاجتماعي التي مورست بحق المجتمعات تحت مسميات عدة كالتعليم والعلاج والعقاب بما في ذلك الجامعات والمشافي التي هي تقنيات سلطوية مكرّسة للتوجيه القسري المرسوم.
وبعد أن كانت الذات/النفس بنية سلبية في دراساته السابقة (لهذه المحاضرات) ها هو يعيد الاعتبار لهذه الذات ويخلصها من سلبيتها ويقدمها على أنها لا تتحدد بمعرفة النفس، كما حققته من إجماع فلسفي، بل ينبغي أن تتحول إلى "اهتم بنفسك" من حيث إن المعرفة هي نصف الطريق إلى التغيير والمغامرة العقلية لبناء العالم من جديد، ذلك أن الاهتمام بالنفس هو اهتمام بالعالم والنظر إليه بمسؤولية المهتم لا العارف، حسب.
يضرب فوكو مثلاً بسقراط أثناء محاكمته على (جريمته التي تدعو للخزي والعار: التفلسف!) مدخلاً آخر للحظة إدراك الإنسان لدوره في أن "يهتم" لا أن "يعرف" فقط.
أما الاقتباس الآخر الذي يسوقه فوكو فهو محاورة سقراط وألقيبيادس (جنرال أرستقراطي وزعيم أثيني) ملخصها أن سقراط يقرّع ألقيبيادس هذا لجهله المشين وعدم معرفته، وبالتالي عدم "اهتمامه" بمدينته وسكانها، عندما كان هذا (الاهتمام) مرتبطاً بالسياسة والسلطة.
ويفسر فوكو ذلك: "هذا المفهوم المتعلق بالاهتمام بالنفس مرتبط بعدم كفاية تربية ألقيبيادس، ولكن، ومن خلالها بالتأكيد، فإن التربية الأثينية نفسها هي التي كانت غير كافية وذلك من خلال معلمين: (أحدهم) المعلم التربوي، أو البيداغوجي، لأن أستاذ ألقيبيادس لا قيمة له. كان عبداً جاهلاً، مع أن التربية موضوع في غاية الأهمية، إذ كيف يمكن أن نؤكل شاباً أرستقراطياً وموجها نحو العمل السياسي إلى جاهل؟".  
سؤال: ماذا بشأن التربية العراقية؟
الاقتباس من كتاب "تأويل الذات"، ميشيل فوكو، ترجمة د. الزواوي بغوره، دار الطليعة، 2011.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram