TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مَنْ تسبب بإفساد مَنْ المواطنُ أم الحكومة ؟

مَنْ تسبب بإفساد مَنْ المواطنُ أم الحكومة ؟

نشر في: 29 إبريل, 2017: 09:01 م

المواطن يمتنع عن تسديد أجور الكهرباء لأن موظفي الحكومة العراقية، وعلى مدى الـ عقد ونصف الماضي هم الذين سرقوا المبالغ المخصصة للكهرباء، عبر الشركات الوهمية والفاشلة والمقاولين المرتبطين بأحزابها، وبمعنى آخر فالحكومة التي انفقت 46 مليار دولار هي سرقت اموال الكهرباء، لذا فهو يشعر بانه غير ملزم بدفع امواله للصوص. والاسرة لا تثق بالتعليم الحكومي لأنها تعتقد بان التعليم الاهلي أفضل، في معادلة أساسها السرقة، فالحكومة التي خصصت المليارات للتعليم سرقتها أيضاً، عبر مقاولين مرتبطين بها، والمواطن نفسه يدفع من ماله وقوت عائلته للمستشفى الأهلي لأنه يعتقد جازماً بان المستشفى الحكومي ومن خلال "نعال" وزيرة الصحة غير قادر على تأمين حياته التي تُسرقُ في اغلب المفاصل الحكومية.
  والمواطن نفسه ذهب يستقوي بعشيرته، يدفع من ماله وقوت عياله ثمن الاسلحة التي استقوى بها على الحكومة نفسها، لا لشيئ، إنما لإعتقاده بان الحكومة ظالمة له، وهي لن تنصفه ما لم يكن أقوى منها، ولم يكتف بذلك، بل ذهب الى الحزب المسلح، في محاولة لتدعيم قوته، وزيادة في جبروته أمام القبائل والاحزاب المسلحة الأخرى، ذلك لأن الحكومة عطّلت القانون الذي يحميه، بل هي التي راحت تقترح القوانين التي تذله وتفقره وتقتحم بها منظومة أمنه، حتى انتفخ رجل السلاح، داخل الحزب المسلح مثلما انتفخ رجل القبيلة المسلح داخل القبيلة المسلحة، الأمر الذي قوض سلطة القانون وجعل من رجل القضاء يستجير ويستنجد بالحزب إن داهمه رجل القبيلة، مثلما يستجير ويستنجد برجل القبيلة إن داهمه رجل الحزب، في متوالية انتزعت ثقة المواطن بحياة آمنة مطمئنة قرب عياله.
  الحكومة خرَّبت الأرض الزراعية وأخرجت قطاع الزراعة من كونه مصدرا للعيش في معظم القرى القريبة من المدن، وحولت البساتين الخضر الى مساكن ومحال وشوارع، ذلك لأنها اهملت قطاع السكن، وتركت المواطن بيد الغيب، فهو يتدبر أمره بحسب ظروفه، هكذا فعلت في في البصرة وكربلاء وديالى وبغداد، ولكي تجهز (الحكومة)على كامل حياة المواطن، فقد اخرجت قطاع الصناعة من كونه قطاعا منتجاً ومساهما في دعم اقتصاد البلاد، وهي التي قوضت فرص النهوض في معظم مفاصل الحياة، بل وهي التي حولت مشروع الديمقراطية الى اتفه ديمقراطية في العالم بعد أن تقاسمت أحزابها الحصص الوظيفية داخل مفوضية الانتخابات، وهي التي عطلت قانون الاحزاب، وحولت أرقى ما انتجه العقل الانساني من أفكار في مجالات كثيرة كالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ومفاهيم مثل الأمن الاهلي  والحرية الشخصية وحرية المعتقد  الى أسخف ما في ذهن المواطن من طموحات.
 بصراحة لا يمكننا الحديث عن مواطن عراقي نزيهه، لأن مفهوم النزاهة بات ملتبساً، فهو من وجهة نظر عراقية خالصة(زُوُجْ، غبي، زمال، ميفتهم، بايخ...) والذي أوصل الحال الى النقطة هذه، هي  الحكومة الدينية بأحزابها ونظامها القبلي والمناطقي، نفسها فهي التي جعلت من غالبية مواطنيها ابعد العالمين عن الايمان إن لم نقل الاقرب الى الكفر، هذه التي سمحت لهم ببناء المساجد والحسينيات وممارسة الشعائر وهيّأت لهم فرص السفر وزيارة العتبات، هي من تسببت في تشكيك مواطنيها بحقيقة الدولة الدينية، بل واعطت لهم المثال السيئ عن فكرة الاسلام ودولة العدل الإلاهية- المحمدية من خلال سرقاتها واستحواذها على الاموال والعقارات ومصادرتها لممتلكات الدولة نفسها ومن خلال شراء الذِّمم وإفساد موظفي الخدمة المدنية! 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram