TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > جاذبية العجائز

جاذبية العجائز

نشر في: 11 أغسطس, 2017: 09:01 م

افتتاح معرض جديد يعني ترقب مشاهدة حياة مختلفة وعالم آخر غير الذي تعودنا على مشاهدته في حياتنا العادية. هكذا كنت اترقب منذ شهور معرض الفنان العبقري هيرمان خورداين (١٩٣٢-٢٠١٧) الذي افتتح قبل ايام في متحف مور بمدينة خورسل وسط هولندا. هذا الفنان الذي يعده النقاد واحداً من اعظم فناني الأراضي المنخفضة في الستين سنة الماضية الى جانب كارل أبل وكورنيه وفيلينك وبضعة فنانين آخرين. والذي تأثر في بداياته بالتعبيريين أمثال اوتو ديكس وجورج غروز، بل وتفوق عليهم فيما بعد من خلال تقنيته الساحرة والتقاطاته الفريدة ونسائه اللواتي يبدين غريبات المظهر، لكن لهن جاذبية وخصوصية لا تخطؤهاالعين.
دخلت المعرض لأجد لوحات ملهمة وجميلة لرسام يبحث عن التفاصيل دائماً، هذه التفاصيل التي تتعلق بناس عاديين جداً أو بمعنى أصحّ، غير عاديين، ويبدون غريبي الأطوار وأشكالهم تقترب من (القبح) في الغالب، حيث تطل علينا من خلال اللوحات وجوه لا تشبه الوجوه التي نعرفها، وهو يقول حول ذلك (ماهو غير مثالي، هو الذي يجب أن يكون مثالياً). رسم هيرمان الكثير من النساء في اعماله. وملهماته هنا تختلف عمّا ألهَمَ الرسامين الآخرين، وهو يذهب بذلك بعيداً ليختار موديلاته من بين نساء مسنات وممتلئات وأشكالهن تبدو غير قابلة للرسم، وهو يصطفيهن عادة من عالم الفن والثقافة بشكل عام، مثل صاحبة الغاليريهات ريكيا سفارت والممثلة شارلوته كرولر وعارضة الأزياء السابقة ليزا بولاك وغيرهن الكثير من النساء ذوات الأشكال المتفردة، وهو يقول حول رسم عجائزه (جلد الانسان أو مظهره يثيرني كثيراً، وأراقب بدهشة بشرة النساء الجميلات وهي تتحول ببطء مع الزمن الى طيات وتجاعيد وزوائد وهي في طريقها الى النهاية، أحب أن ارسم هذه الدراما وهي في منتصف الطريق).
اللحظة التي غيَّرَت حياة هيرمان الى الابد وأثرت على كل اعماله، تعود الى سنوات بعيدة مضت، حين دخل هيرمان وهو صبي بعمر ثماني سنوات عن طريق الخطأ الى حي المومسات في مدينة لاهاي، وهناك علقت بذهنه أشكالهن الغريبة وملابسهن الفاضحة البراقة والملونة وكذلك العطور التي تضوع من أجسادهن وتجذب المارة من بعيد. هذا العالم الجديد الذي يبدو محظوراً على من هم في مثل سِنِّهِ، وهذا المكان الذي يشبه حكايات ممنوعة وهؤلاء النسوة اللواتي كُنَّ يبدين له كبيرات في العمر مقارنة بسنواته الثماني، هو ما فتح له طريقاً جديداً في عالم الرسم ومنحه منطقة لم يشتغل عليها احد بهذا الحماس والحب والاسترسال.
تجولت ساعتين في المعرض، لأقف امام لوحته الاخيرة التي لم ينته منها بعد، حيث رسم امرأتين عجوزين تستعيدان لحظات بعيدة من توهجهما حيث تقفان في الشارع امام فترينة المومسات اللواتي يعرضن أنفسهن للمارة، لكن هذه المرة جعل هيرمان المومس رجلاً بديناً عارياً، يقف بخيلاءٍ وهو يعرض نفسه للمارة، بينما العجوزان تتسمران بدهشة امام هذا المشهد الغريب والمثير. إضافة الى لوحات المعرض التي تجاوزت الثلاثمئة لوحة، عرض المتحف فيلماً عن خورداين في احدى الصالات، حيث احتوى على الكثير من التفاصيل التي تتعلق بحياته وتقنياته واستلهامه للمواضيع التي يرسمها. وكذلك كانت هناك قاعة مخصصة لأعمال الحفر التي أنجزها حين كان يعطي دروساً في أكاديمية امستردام.  
لقد رَتَّبَ خورداين كل تفاصيل هذا المعرض الذي يعتبر اهم معرض في كل مسيرته الطويلة، وَحَضَّرَ كل شيء صحبة المتحف، بما في ذلك إتمام الكتاب الجميل الذي رافق المعرض. لكن القدر الذي أهداه حياة حافلة بالفن والإبداع، لم يمنحه آخر عطاياه ليشهد افتتاح معرضه الأخير،  ليتوفى هيرمان قبل الافتتاح بفترة قصيرة، ولم يحضر قَص شريط المعرض، ولم يَرَ الجمهور وهو يتنقل بين اللوحات، ولم يعرف طبعاً أن رساماً عراقياً كان يتمنى لقاءه في المعرض. لم يقرأ ردود الأفعال في الصحف ولم يحضَ بمشاهدة البرامج الخاصة حول اعماله في التلفزيون الهولندي. سَحَبَ خطواته ورحلَ قبل أن تخطوا جموع الناس بشغف نحو معرضه الأخير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram