TOP

جريدة المدى > عام > رواية لدينيس جونسن.. الكاتب الذي كان يجب أن يفوز بجائزة بوليتزر

رواية لدينيس جونسن.. الكاتب الذي كان يجب أن يفوز بجائزة بوليتزر

نشر في: 21 سبتمبر, 2017: 12:01 ص

مرحى، بدأ بعضهم بالقول إن، دينيس جونسن قد يكون واحداً من أكبر كتّاب الرواية في أمريكا. كان ينبغي أن يكون هذا واضحاً في عام 1986، مع روايته الثالثة، " نجوم في منتصف الظهر " – وكان بلا شك أمراً مؤكداً مع مجموعته القصصية المترابطة، " إبن يسوع "، ف

مرحى، بدأ بعضهم بالقول إن، دينيس جونسن قد يكون واحداً من أكبر كتّاب الرواية في أمريكا. كان ينبغي أن يكون هذا واضحاً في عام 1986، مع روايته الثالثة، " نجوم في منتصف الظهر " – وكان بلا شك أمراً مؤكداً مع مجموعته القصصية المترابطة، " إبن يسوع "، في عام 1992.
ثمة شيء مخيِّب بشأن عمل جونسن، بالنسبة لمتوسطي الثقافة. ربما هي ردود الأفعال البيوريتانية على سيرة حياة المؤلف: شبابه الواعد؛ معارضته المشاركة في لعبة الأضواء المعاصرة من مقابلات صحفية وحضور على موقع تويتر، حيث يأتي المؤلف قبل عمله.
ثم كانت هناك شخصيات تلك الروايات الأولى. وهي كانت في الغالب مرعبة، محطمة، هائمة تتقلب على حافة انهيار داخلي، مسكّنة في اوضاع مضطربة – مسافرين متطفلين يرتعشون من البرد، تتمنى بيأس لو أنك لم تتوقف أبداً لتحملهم معك. مع هذا، كان الطموح هائلاً. استدعت "نجوم في منتصف الظهر" اضطراباً عظيماً، امريكياً لاتينياً، مرهقاً، مع موقفها من رهاب الأجانب. الاهتياج العصبي للرؤية الجونسنية يمكن أن يُرى حتى في ريبورتاجاته غير الروائية الرائعة؛ " بحث: تقارير من حافات امريكا وما وراءها " هو عنوان ملهم يبيّن مصدر بعض الشخصيات في رواياته.
إسلوبياً، الأدب الروائي لجونسن مؤدّى ببراعة في طنين مخدِّر: تقيحات منطقية على الزوايا. إغماءات تخديرية وتشنجات كابوسية فجائية تتحدى القارئ، في امريكا الموتيلات والهبي أور في البارات ونادلات يائسات يتطلعن للهروب. لاهوتية مدوِّخة تبدو واضحة – شياطين واقعية، حساسية للشر حين يبزغ ابليس، دجّال صريح. هذه الروايات تذكِّر بفلانري اوكونر في اغلب هذيانها.
حدث بعض القبول النقدي عندما تتسع مجموعة شخصيات جونسن. رواية "إسم العالم" تتلائم مع جنس الرواية الجامعية، مع حلّ لألغاز أكاديمية ثرثارة في لا مكان مرسوم برشاقة؛ براعة جونسن الفائقة في اللغة بدأت بإظهار العالم كمكان غير قابل للفهم وغامض بعمق.
روايته "شجرة الدخان" فازت بالجائزة الوطنية للكتاب (جمعتها زوجته بالنيابة عنه) وروايته الأخيرة،  "لا يتحرك أحد" شملت نوعاً أدبياً وحتى تجاوزته. هذا الكتاب الموجع والمثير، الذي يصارع فيه مغني رباعيات للهرب من ماضيه الإجرامي القاصر، ومن جريمة قتل، استقبِل بهدوء شديد من جمهور أدب الجريمة، الصاخب في العادة، لكنه ربما يُعد افضل رواية جريمة منذ جيمس أم كين.
يظهر "أحلام قطار" وكأنه عن منطقة محترمة؛ رواية تاريخية بضمير الغائب قصيرة إنما شاملة، تتشبث بإسطورة امريكية خصبة عن الوعي الريادي، والسرعة الدراماتيكية التي نشأت بها تلك الأمة الاستثنائية حول جماهير مشدوهة. روبرت غرينير هو عامل متطوّف، يبني الجسور ويقطع الأشجار من أجل السكك الحديد المتوسعة على نحو متسارع في السنوات الأولى من القرن العشرين. سعيد مع زوجته وطفلته. غرينير فقير الحال، متواضع بشدة، موصوف باقتصاد مدهش. نائم تحت خيمة كانفاص من زمن الحرب الأهلية، تقع عيناه الشابتان على أرض وغابة لم يغامر مالكها الرجل الأبيض باستثمارها، بل وستلمح نفس العينين الفيس برسلي في قطاره السياحي في نهاية الخمسينات والاتوسترادات المذهلة في سنوات الستينات.
غرينير رجل بريء. وعلى ما يظهر غير مبتلى بتعقيد أكبر أو ببلاء الشك، والذي يصطدم في النهاية بعالم قاسٍ على نحو ميئوس منه وغير منطقي اكثر مما يمكن أن يقتضي. وهو يحلم. تؤدي الرواية مهمات الرواية التاريخية لكن، وعلى نحو مميز، تطلق "أحلام قطار" غرابة مستترة. وكما الأمر دائماً، تكون الشخصيات الرئيسة والسطحية مستحضرة من بضع جمل موقرة بعمق، وفظة: ((أنا عملت على جبل في بيسبي، اريزونا، حيث كنا على بعد أحد عشر أو إثني عشر ميلاً فقط عن الشمس. كانت الحرارة تقارب الأربعين درجة على الثرمومتر، وكل درجة بطول قدم واحد. وذلك كان في الظل. وهناك، لم يكن ثمة ظل)).غرينير هو كل الرجال وأيضاً لا واحد منهم؛ هو يتيم أساساً، مع روايات متناقضة عن أصوله. معالم حياته الخشنة بما فيها محاولة إعدامه لسرقة مخزن، التي يبدو انها وسمته بلعنة؛ رجل يُقتل من قبل كلبه؛ اكتشاف الطفولة لرجل متشرد جريح على السكة الحديد: (( كانت كلها في أرجاء البلاد، في كندا، أيضاً، ولا تبعد أبدأ اكثر من مئة ياردة عن السكك وقضبان الربط)).
 حريق كارثي ((أقوى من الرب)) يكتسح الوادي حيث كان غيرنير يقيم كوخاً، وتختفي عائلته. ربما طافت اسفل النهر بعيداً عن جهنم. يغدو غيرنير ناسكاً وسط خرائب الرماد، يعوي مع ذئاب الجبل، ولا يكف أبداً عن البحث عن ابنته المفقودة. حلّ العقدة في رواية "أحلام قطار" هي مأساوية جداً وسريالية، بحيث أن القارئ يرفض في البداية مقاربتها المروّعة: مع ذلك حين تأتي تكون مكتوبة بصدق تفي بثيمة الكتاب، انهيار العالم المنطقي لرجل محترم. على نحو هادئ وجميل، تطرح هذه الرواية أسئلة عن الحياة الإنسانية: هل ثمن المجتمع الإنساني أو ما يدعى بالحضارة غالٍ الى هذا الحد؟
لجنة جائزة بوليتزر للرواية فشلت في إدراج "أحلام قطار" في قائمة الترشيح. يا للأرواح المسكينة، وهم يرتعشون خوفاً من عواء الجبال الأمريكية القديمة.

 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مآثر فوق التصوّر

رحيل ناجح المعموري ..حارس الاساطير البابلية

في غياب الأستاذ

وجهة نظر: السينما المُدجَّنة: بيان في النقد

‏رحل استاذنا

مقالات ذات صلة

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة
عام

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة

لطفيّة الدليمي ها نحنُ ثانية على مبعدة ساعات من بدءالسنة الجديدة. أهو حدثٌ كبير؟ جديد؟ يستوجبُ التهيئة المكلفة والتقاليد الإحتفائية المكرورة من سنوات؟ ما الذي يحصل كلّ سنة؟ لا شيء. يتبدّلُ وضع العدّاد ويبقى...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram