TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > النظرة الغاضبة

النظرة الغاضبة

نشر في: 22 سبتمبر, 2017: 09:01 م

كنت قد تأثرت كثيراً بأعماله ورسمت العديد من اللوحات التي تقترب من أسلوبه ومعالجاته، وها أنا أستعيد سنواتي الأولى مع الرسم، واتوجه لزيارة معرض (النظرة الغاضبة) للفنان أوتو ديكس في مدينة دوسلدورف، ورغم أن اجواء الكثير من لوحاته تذكرنا بالحرب وفظائعها، إلا انني سعيد بمشاهدة اعمالٍ كانت وستبقى قريبة من ذائقتي، اعمال هي بمثابة الروح التي تحيي الرسم وتعيد له عافيته من جديد. أحب الرسم حين يكون بهذه الطريقة المدهشة وانتمي للفن عندما يمنحنا هذه القوة من الحضور والتأثير والمعالجات. أؤمن كثيراً بروح الفنان التي اشعر بأنها تتجول في المعرض. الفنان الذي غاب بعيداً بعد أن أهدانا هذه القلائد والكنوز التي نَعْبُرُ الحدود عن طيب خاطر لمشاهدتها والوقوف أمامها، نتابع الخطوط هنا وحركة الفرشاة هناك ونستذكر الاصابع وهي تتحرك بدراية ليكتمل المشهد. هنا نَستَرِدُّ عالم الفن الذي لا يدخله إلا من كان على قدر كبير من الموهبة والدهشة والإبداع. بعد أن شاعت في بداية القرن الماضي، مدارس واتجاهات فنية مثل التعبيرية والوحشية والتكعيبية والمستقبلية، حَلَّت الحرب العالمية الاولى لتترك آثارها على الجميع، فعاد الكثير من الفنانين الى نوع من الواقعية التي اجتذبت الكثير من المتابعين، حتى أنّ بيكاسو قد رسم وقتها الكثير من الأعمال التي تقترب من الكلاسيكية، وهكذا فعل ايضاً دي شيريكو الايطالي والكثير غيرهما. وهذا ينطبق على ألمانيا إيضاً، والتي ظهر فيها تيار جديد سنة ١٩٢٥ من خلال المعرض الذي أقيم في مانهايم تحت عنوان الواقعية الجديدة أو (التعبيرية الجديدة) وقد اشترك فيه مجموعة من الفنانين على رأسهم ماكس بيكمان وجورج غروس بالإضافة الى اوتو ديكس. ولم يهتم هؤلاء الفنانون بالجمال الذي نراه في الشارع، لكنهم التقطوا شخصيات معينة تميل الى الفضفاضة والقبح، شخصيات تُذَكِّرُهُم هيئاتها بما تركته الحرب من دمار وإعاقة وخراب في الروح والشكل. انطلق ديكس مع هؤلاء من التعبيرية، ليقتربوا اكثر من واقعهم المرير الذي يعكس الغثيان الذي انتشر في كل مكان. وقد كان لهذا الفنان تأثير كبير في المجموعة، حيث كان يَمِدُّ لسانه نحو الجمال الذي عرفه وخبرهُ عامة الناس، ليقدم فناً مختلفاً. ضَمَّ هذا المعرض اعمال ديكس الأولى التي رسمها في دسلدورف بعد أن دَرَسَ الرسم هناك في بداية العشرينات بعد انتهاء الحرب، قبل أن ينتقل الى برلين. هناك في دسلدورف كان قد تعرف على يوهانا آي التي كانت صاحبة غاليري وتقوم بالكثير من المشاريع الفنية، وقد اهتمت به كثيراً وساعدته على النجاح وبيع اعماله، وهو بدوره كان قد رسمها في البورتريت الذي أقف أمامه الآن، والذي حظي بمكان خاص في المعرض. تظهر يوهانا في هذا البورتريت كبير الحجم بثوبها البنفسجي وجسدها الممتلئ، وهي تضع كفها الضخم على طاولة سوداء صغيرة وكأنها تستعجل الرسام للانتهاء من مهمته الشاقة في رسم امرأة بمكانتها، بينما تحيط بها من الخلف والجانب قطعة قماش حمراء كبيرة. امرأة تعرف ماتريد، وهذا ما تؤكده نظرتها الودود الواثقة التي تظهر من خلف زجاج نظارتها الدائرية الصغيرة. وبما أن ديكس قد دَرَسَ الطباعة أيضاً في دوسلدورف، فكان من نصيب المعرض مجموعة من اعماله الشهيرة التي نفذها بطريقة الليثوغراف، وهذه الاعمال تعيدنا الى ايام الحرب التي شارك فيها كجندي، ويظهر في هذه الرسومات، الجنود المذعورون الذين يضعون على وجوههم أقنعة واقية من الغازات، وقد قورنت هذه الأعمال دائماً بالطبعات التي تركها الفنان العظيم غويا والتي تتعلق أيضاً بالحرب. وسط المعرض يظهر بورتريت هوغو اورفرت مع كلبه الذي تنتصب أذناه وهو يفتح فمه وكأنه يستمع الى صوت خارج الغرفة أو ينتظر شخصاً ما، وهنا اعطى ديكس كل التعبير والحركة والاحساس للكلب اكثر من الشخص الجالس بجانبه. عُرِضَ في المعرض الكثير من البورتريهات التي ركز فيها على تعابير الوجوه ونظرات العيون وإشارات الأيدي، ووضع كل ذلك وسط مناخات تحيلنا الى الأيام التي كان فيها الرسم قوياً ومؤثراً وجميلاً أيضاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram