TOP

جريدة المدى > عام > عن سعدي عبد اللطيف الذي فاجأنا برحيل معلن

عن سعدي عبد اللطيف الذي فاجأنا برحيل معلن

نشر في: 26 سبتمبر, 2017: 12:01 ص

لم أكن أتوقع انني سأكتب شيئاً في موت صديقي الأديب والمناضل اليساري سعدي عبد اللطيف الملقّب بسعدي النائب أيضاً. كاد يطير من الفرح هذا المترجم اللامع عندما أهديته قبل أشهر من وفاته قصيدة كتبتها في رثائه ورثائنا معاً. سعدي كان تاريخنا الآخر والموازي وال

لم أكن أتوقع انني سأكتب شيئاً في موت صديقي الأديب والمناضل اليساري سعدي عبد اللطيف الملقّب بسعدي النائب أيضاً. كاد يطير من الفرح هذا المترجم اللامع عندما أهديته قبل أشهر من وفاته قصيدة كتبتها في رثائه ورثائنا معاً. سعدي كان تاريخنا الآخر والموازي والنقي والمضطرب بأفراحه وخاصة بأحزانه الفوضوية مثله، لكن العميقة والسارحة كمشرط جراح في كيانه المصنوع من الهواء وكالهواء.. كان يكتم أحزانه بلاأبالية مفرطة الوفاء والشفافية وبخصال وجودية صافية وعن سبق اصرار، رغم كل علامات الانتماء الى ماركسية شفافة وفطرية لديه وإنسانية هي الأخرى. ومن اجتماعهما قدرياً فيه ربما، نما ذلك الحبل السري جداً والدائم الذي ربطنا رغم تباعد وتشتت طرقنا أحياناً كثيرة وأفكارنا.. ورغم تقلبات ما كان يؤوينا من مكان وزمان.
كان سعدي عبد اللطيف قد تميّز سلفاً بين طلاب كلية الآداب ببغداد ببراعته، هو الصغير الجسم، كمهاجم ضمن منتخبها لكرة القدم عندما تلاقينا للمرة الأولى في صيف 1966. ساقاه المعوجتان كانتا تثيران تندرنا، مع ملهم وبيفن ومكي ومحمود، حين نراهما تسابقان الريح. لكن المزيد من البشاشة والطيبة وضحكة بريئة مجلجلة كان الرد الوحيد من ذلك النابض مبكراً بكل براءة وطيب ابي الخصيب الساكن في كيانه ضامّاً العراق كله. والده أيضاً كان شخصية لافتة الشهامة واللطف عندما نلتقيه. ومن أبيه أيضاً سيرث حب شعر المعري ورامبو وبوشكين وخاصة شكسبير الذي خلب لبّه الى حد هوس جميل سرعان ما انتقل الى كل زوايا حياتنا بدءاً بالإصرار المغامر الذي راودنا ونحن نوزع سراً على الطلاب نشرات تدعو الى الكفاح المسلح والثورة على الفاشية، مع تضامن فطري مع الثورات الفلسطينية والفيتنامية والظفارية والعمالية في مناجم ايرلندا والطلابية في فرنسا، وغيرها من افكار متمردة كانت تكلف حاملها موتاً زؤاماً على يد جلادي قصر النهاية أو سواه من سجون البعثيين المجاني القسوة والبطش، وانتهاء بهوس تحدي الجسد وكسر الحياة بلاأبالية وشفافية مؤلمة هنا ايضاً.
ذلك الحماس الأول صار خلاقاً بشكل رائع لدى سعدي مع انهماكه منذ أواسط السبعينات في ترجمة النصوص الشعرية لعدد من كبار الشعراء العالميين حيث استمر يرفد الصحف والمجلات بترجمات جذابة لقصائد الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، الذي أثر شعره وكذلك سيرة حياته تأثيراً جلياً في سعدي عبد اللطيف، ومنها ربما تلك الضرورة التي اولاها لحريته وحرية الكتابه اجمالاً كاشفاً عن خصب وسخاء واضحين.
ورغم انه كان حريصاً على تكريس كل قدراته لخدمة نضال شعبه كما عبرت عنه كمية لا تحصى من المقالات المترجمة ومعظمها دراسات وتقارير عن معاناة الشعب العراقي وتاريخه السياسي وحضاراته التاريخية، أصر سعدي عبد اللطيف على أن يكون كمن يحمل كل الأوطان والعصور على اكتافه، منحازاً لثقافة انسانية منفتحة ومستقبلية، ومن هنا الإصرار على متابعة الجديد ليس حول شكسبير وحده إنما حول ميخائيل باختين الذي كاد سعدي عبد اللطيف أن يكون أهم من زود المكتبة العربية بنصوص اساسية له بموازاة ترجمة نصوص لغابريل غارسيا ماركيز، وأخرى لأنطون تشيخوف وثالثة لغيرهما حول الماركسية والتفكيكية أو حول الكتابة واللغات في العراق القديم وحتى عن الحياة والحب رغم انه اكبر فاشل في الحب والغرام عبر كل الازمنة والقارات. كل محاولاته القلبية باءت بهزائم قاسية في اللحظة ذاتها التي تقترب من بهجة النجاح. كان ينطفئ تدريجياً كي يتفجر فرحاً بروحه وجسده. الترجمة الفكرية ظلت عشقه الأوفى حتى عندما تنعدم لقمة الخبز وينعدم الضوء وينحل الجسد في خضم مسير من ضياع الى آخر. ولنا أن نؤشر هنا على اهمية ثلاثة كتب ترجمها سعدي عبد اللطيف بشكل رصين ويمكن اعتمادها كمصادر اساسية عن موضوعاتها وهي "كتاب "أنطون تشيخوف والحب والحياة"، لروزاموند بارتلت، وكتاب "مفهوم الحوار عند دستوفسكي" لميخائيل باختين، وكتاب "كارل ماركس - قصّة حياة" لفرانسيس وين.
لقد افترقنا نحو خمسة عشر عاماً بين 1971 و1985، ظللت اتابع خلالها اخباره عن بعد وهو يعبر الحدود والغيوم من بغداد الى بيروت ومنها الى الجزائر حيث كان يصارع محنة تلو أخرى دون أدنى أنين. وفي يوم من 1982 أرسلت له رسائل للقدوم الى فرنسا أكد لي رغبة جامحة بها.. إلا أنه فضل أن يأتي غيره فراح يرسل من الجزائر التوصية إثر أخرى يدعونا فيها الى استقبال اصدقاء عراقيين له لا نعرف عنهم، إلا أن سعدي ارسلهم لطلب اللجوء في فرنسا أو ايطاليا أو سواهما من بقاع الأرض، وظلت قاماتهم تترى دون كلل. كان سعدي يهتم بالجميع إلا نفسه. ومن هنا تلك الدهشة الصارخة عندما، وفي 1985، صادفته وجهاً لوجه وبما يشبه المعجزة في مترو باريسي مزدحم الى حد الاختناق وحينها كنت قادماً من مكتب ترجمة اعمل لديه آنئذ. وكانت سهرة ذكريات ممتعة في بيت صديقي الكاتب حسين كركوش وكان سعدي عبد اللطيف خلالها في غاية البهجة وكان في طريقة للإقامة في وطنه الجديد مدينة الضباب.
بعد اعوام ثلاثة التقينا في لندن مراراً وتكراراً.. أحياناً بصحبة لاجئين سرعان ما تنكروا لمساعدته لهم في ترجمة معاملاتهم ولغوهم، أو مع شعراء سرعان ما وضعوا اسماءهم على ترجماته، من العربية الى الانكليزية، لقصائدهم ومجموعاتهم. لكن ومع كل فصول ذلك الدواخ، لم يمنعنا فقرنا آنئذ من اجتراح مشاريع ثقافية يخشى خوضها أو يتحرق حسداً أمامها بعض دوغمائيي الفن من نشامى الاحزاب والنرجسيات. مجلة "أصوات" كانت باكورة ودرة المجلات العراقية في المنفى وكان سعدي عبد اللطيف وكنا نرفدها بآخر قرش لدينا، ودائماً لوجه الله أو دفاعاً عن حرية ونضال شعب عراقي سحقت عظامه العصابات البعثية أو فلسطيني ذاق التدمير على يد احفاد واحقاد صهيون أو كردي طحنته مجازر انفال وقذائف كيمياوية تحت انظار انسانية مهزومة. ولعلّ قصيدة "برابرة" التي كتبها سعدي عبد اللطيف في رثاء مدينة حلبجة مستلهماً الشاعر الكبير كافافيس، عبرت بقوة وصدق عن موافقه السياسية الانسانية النبيلة. حيث كتب بجمالية مثيرة:  
"واضحون حد الدهشة
لم يكن،
أنا الساذج طول عمري،
يدهشني أبداً
ما يفعله البرابرة
الآن
لا أشعر بالغضب
بل بالخجل
لأن البرابرة فاجأتني..."
سأتوقف هنا لأن أحاديث كثيرة وشيقة بدأت تقفز بين يدي عن هذا المثقف الموسوعي الذي فاجأنا برحيله الجارح لكن المعلن.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الفياض: الحديث بالخفاء ضد الحشد "خيانة"

العراق يعلن انحسار الإصابات بالحمى القلاعية

موجة باردة تجتاح أجواء العراق

بينهم عراقيون.. فرار 5 دواعش من مخيم الهول

هزة أرضية ثانية تضرب واسط

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد:أريش فولفغانغ كورنغولد

صورة سيفو في مرآة الوهايبي

"مُخْتَارَات": <اَلْعِمَارَةُ عِنْدَ "اَلْآخَرِ": تَصْمِيمًا وَتَعْبِيرًا > "لِوِيسْ بَاراغَانْ"

"حماس بوينس آيرس" أول مجموعة شعرية لبورخس

علي عيسى.. قناص اللحظات الإبداعية الهاربة

مقالات ذات صلة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت
عام

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

أدار الحوار: مارسيلو غلايسر* ترجمة: لطفية الدليمي ما حدودُ قدرتنا المتاحة على فهم العالم؟ هل أنّ أحلامنا ببلوغ معرفة كاملة للواقع تُعدُّ واقعية أمّ أنّ هناك حدوداً قصوى نهائية لما يمكننا بلوغه؟ يتخيّلُ مؤلّف...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram