حين توفي كونستانتين كافافي في 29 نيسان 1933، لم يكن ميلاده السبعين، ولا عمله معروفين إلا قليلاً، فيما وراء اليونان والاسكندرية، التي قضى جلّ حياته فيها. في عام 1935، مع نشر المجموعة الأساسية من قصائده، بدأ بجذب الاهتمام النقدي الذي استحقته عبقريته. م
حين توفي كونستانتين كافافي في 29 نيسان 1933، لم يكن ميلاده السبعين، ولا عمله معروفين إلا قليلاً، فيما وراء اليونان والاسكندرية، التي قضى جلّ حياته فيها. في عام 1935، مع نشر المجموعة الأساسية من قصائده، بدأ بجذب الاهتمام النقدي الذي استحقته عبقريته. من معجبيه الأوائل والدائميين كان شاعراً آخر عظيماً، جورج سيفيريس، الذي لاحظ: ((خارج شعره، لا وجود لكافافي)).
كان ذلك عام 1946،عندما كان عدد من أصدقاء ومعارف كافافي لا يزالون على قيد الحياة. مع ذلك فالملاحظة ليست ملاحظة قاسية، لأن الفنان كان يشير الى مَن كان آخر الرجال توكيداً للذات. عَمِل طيلة 30 عاماً موظفاً في وزارة الري، كاسباً أحياناً نقوداً إضافية من عمله سمسار في سوق الأسهم في الاسكندرية. عشّاقه، وهم شبان شقر كانوا بحاجة الى المال لشراء الملابس، كلهم اختفوا في التاريخ المغمور الذي تفسِّره الأغلبية السائدة من الجنس البشري.
كان فصيحاً بثلاث لغات الى جانب لغته الأم – الانكليزية، الفرنسية والايطالية – ومستمتعاً بقراءة القصص البوليسية حين لا يكون مغموراً في الأدب الكلاسيكي الأغريقي والنصوص اللاتينية التي استولت على مخيلته المازحة والميالة الى السخرية من عمر مبكر. في أعوامه الستين، وصف نفسه، على نحو شديد الذكاء، بـ ’’شاعر تاريخي‘‘ و’’شاعر روائي‘‘.
دانييل مندلسون، آخر مترجم من مترجميه العديدين، استطاع الوصول الى 30 قصيدة غير منجزة، وأربع قطع أدبية شظوية. هذا الكتاب المنتج بجمال هو لذلك طبعة مكتملة بقدر ما يمكن للمرء توقعه. ثقافة مندلسون هائلة. ينتج سِيَراً مصغرة للأباطرة، الصوفيين والشهداء، ويتناول كافافي بمثل هذه المباشرية المضللة. ما من محرر أو مترجم سابق كان شاملاً على هذا النحو. يمكن أن يقال، بدقة لا ريب فيها، أن مندلسون هنا هو أكبر حضوراً من موضوعه المتواضع. يتناول نقطة خلاف مع دبليو أتش أودن، الذي قال أن كافافي يبقى حيّاً بالترجمة، كما الحال مع قلة قليلة من الشعراء. اعتبر أودن الاسكندرية واحدة من عوامله المؤثرة الرئيسة، وعرف هو عمّا كان يتحدث عنه. يجادل مندلسون أن قصائده هي أكثر غنائية، أكثر موسيقية في أشكالها الأصلية. قد يكون هذا صحيحاً. لكن الأمر ليس مجرد مصادفة أن يبدو الصوت الشعري لكافافي هو نفسه في الترجمات الى الفرنسية، على يد مارغريت يورسنار، والنسخ الانكليزية لجون مارفروغورداتو، رَي دالفن، وادموند كيلي وفيليب شيرارد.
يمكن أن يكون هنا أن مندلسون أكثر دقة من كيلي وشيرارد، لكن ترجمتهما هي ما أفضّل. أذناهما مدوزنتان على الانكليزية المحكية، في حين أن اذن مندلسون ليست كذلك. (مسرفين في الشراب) هي قبيحة بقدر ما هي سخيفة. أنهما آثرا (ثملتين)، التي توحي بسعادة هذيانية، أكثر من (مسكرتين) غير الرومانسية التي يستخدمها هو. علامة التعجب المتداخلة تلك تُفسِد المظهر كما تُفسِد السوداوية المناسبة للقصيدة، كما فهماها كيلي وشيرارد. طبعتهما من المجموعة الشعرية، التي نُشِرت عام 1975، تبقىى لا تُبَز. ذاكما التاريخان لتأليف القصيدة يتطلبان بعض الشرح. كان من عادة كافافي أن يدوّن على ورقة بضعة أبيات ثم يضعها في ظرف للمعاينة في المستقبل. كان يخزن هذه الظروف في شقته المركومة، فاتحا إياها عندما يشعر أنه قادر على البلوغ بالقصائد الناقصة التي تحويها الى نهاية مُرْضية. كان هذا نهجه طوال حياته. متى ما تصبح القصيدة تامّة، كان يعرضها على صديق حكيم، لا محرر أو ناشر. ما يبدو تلقائياً جداً على الصفحة هو حصيلة أعوام من إعادة الكتابة وإعادة الفكر.
كان إي أم فورستر، الذي صادقه في الاسكندرية أثناء الحرب العالمية الأولى، هو مَن قال عن كافافي أنه وقف (بلا حراك تماماً في زاوية باتجاه الكون ). ظلّ هكذا، هذا الملاحِظ المرهف للحماقة البشرية، طوال حياته البطولية الاعتيادية. هو يحتفي بالرغبة المثلية الجنسية بطريقة لم يقدر عليها أبداً معاصره القريب أي إي هاوزمان. هاوزمان يواكب الحياة حتى الموت، لكن كافافي يعيد الموت الى لحظات من حيوية سامية. هذا الكتاب الجديد ثقيل الرأس بمعرفة مندلسون، مع ذلك يرفض كافافي أن يكون مدفوناً أكاديمياً. هو يفرّ حرّاً، في قبعته القشية وبدلته الأنيقة، حتى من التحليل المنطقي الأكثر جدارة.