TOP

جريدة المدى > عام > فـي الثقافة الشعبية..النكتة بوصفها نصّاً سردياً

فـي الثقافة الشعبية..النكتة بوصفها نصّاً سردياً

نشر في: 3 أكتوبر, 2017: 12:01 ص

النكتة تستدعي حضوراً اجتماعياً يستقطب تنوعات الأفراد واختلاف مكوناتهم الاجتما- ثقافية، وانتماءاتهم السياسية. لأن التنوع ضروري وهو أحد العناصر المحفزة لمنتج النكتة، ودائماً ما ينهل من تداعيات العلاقة والمشتركات الثنائية، الحوارية. لكن أكثـر الشخوص إثا

النكتة تستدعي حضوراً اجتماعياً يستقطب تنوعات الأفراد واختلاف مكوناتهم الاجتما- ثقافية، وانتماءاتهم السياسية. لأن التنوع ضروري وهو أحد العناصر المحفزة لمنتج النكتة، ودائماً ما ينهل من تداعيات العلاقة والمشتركات الثنائية، الحوارية. لكن أكثـر الشخوص إثارة لاهتمام لمنتج النكتة هو الكائن الساخر، القادر على إعادة إنتاج المسموع والتدخل كلياً أو تفسير بعض قليل من النص وإضافة ما هو جديد.

ودائماً ما كانت أتابع القاص والفنان حامد الهيتي، البارع جداً بإنتاج وصياغة النكتة الأقصر، يتجاهل إضافات المتلقين الذين لا يعرفون هو الراوي وكثيراً ما صاغ حامد الهيتي نصّاً ساخراً على النكتة المزورة لنصه السردي الأول، وتتمثل براعة حامد الهيتي من خلال قدرته على إنتاج سلسلة من النكات القوية، المتهمة، والهجائية للسلطة التي دائماً ما يذهب باتجاهها مباشرة، وتحدث لي مراراً عن نكاته التي عبرت جغرافية المحافظة وارتحلت الى محافظة بعيدة جداً، يستمع لها عبر أصدقاء له يتبادلون هذه الوسيلة الثقافية والسياسية الحساسة التي استطاعت الانتصار للجماعات والأفراد والمضطهدين في زمن النظام السابق. والغريب في هذه الكروبات "السرية ولا تفشي من صاغ النكتة، ودائماً ما يضع صاحبها، واعتقد بأن النكتة أكثر المنتجات في الثقافية الشعبية انتشاراً وعديد منها ارتحل خارج الحدود. وفي الظروف السياسية المضطربة والمرتكبة وفي تواعيات الحرب وأوقات تقديم القرابين البشرية  "للقائد المظفر ولأفراد عائلته" تبدأ الأجهزة الأمنية والمخابراتية. بتنفيذ حملات إعدام جماعية، تسبقها شبكة واسعة جداً من النكات التي تنتجها جماعات متخصصة في المخابرات العامة وتبثها في المحافظات العراقية. والتكرر مثل هذا الهجوم المضاد لمؤسسات الدولة، تجاورت معها بدراية أو بجهل ردود فعل مضادة وكثيراً ما كانت مستهدفة لرموز النظام. لذا انا اعتقد بأن النكتة من أقوى السرديات القصيرة، ذات الوظيفة المباشرة التي تختصرها الرسالة التي تنطوي عليها وتبثها ومثلما قال مكلوهان من أن الرسالة هي المؤثرة وليست الوسيلة. ومن خلال متابعتي لنماذج من النكات التي جمعها الشاعر صلاح اللبان وجدت بأن النكتة ذات الوظيفة الايديولوجية أكثر اختصاراً وتركيزاً، والسبب واضح، هو تسهيل مهمة الحفظ لمن يعرف القراءة والكتابة أو الذي لا يجيدها. وأيضاً حتى لا تستغرق زمناً طويلاً أثناء القص، لأن التأخر في السرد وانتظار النتائج المباشرة يخلق إشكالات محتملة.
وهناك نوع من النكات، ليست مباشرة، بل متكتمة المطلوب كامن فيها ودائماً ما تكون الرسالة المركزية مسكوت عنها، لأن السارد / الراوي يلجأ الى توظيف قدراته في التعامل مع اللغة وهذا نموذج فريد ومحدود العدد، وأعرف لطيف بربن ومحمود عبد الوهاب، يسرد كل منهما نصّه بهدوء يلتم حول النص ومغنياته. أو الذهاب بشكل مفاجئ لإيصال رسالة قوية وشجاعة. ومن النماذج المقصودة في كلامي والمعروفة للأستاذ القاص محمود عبد الوهاب النكتة التالية واستمعت لها منه مباشرة بعد وفاة أخته ؟؟؟ أخذتها وعدد من الأصدقاء لمقبرة الزبير والسائق يسير ببطء شديد فقلت له:
" ـ عمي أسرع. خاف تصير القيامة
واختي ما تجد مكاناً"
وفي نصوص الفكها في الشهير "لطيف بربن" هذا النص المنقول من كتاب: صلاح اللبان / طرائف وحكايات حلية / 2016//
عاد أحد أصدقائه من الحج زاره لطيف بربن الذي خرج تواً من السجن. استقبله الحاج قائلاً:
ـ أبو ياسين، وكفتلك يم قبر الرسول ودعيتلك فرد عليه .
ـ والله رأساً استجاب وشهرين بالسجن.
ليس صعباً معرفة ما تنطوي عليه نكتة محمود ولطيف. وما تفضي إليه من موقف، له علاقة بالموقف من الجنة والنار وأيضاً ممكنات مناصرة المضطهد من قبل الأولياء. وكلاهما يطعنان بوضوح. وإذا أردنا العودة للنصيّن وتحليلهما، سنكتشف بأن نص محمود عبد الوهاب ذكي ويتمتع بمرونة وعدم مفاجأة المتلقي، لكنه واضح الرسالة، أما نكتة لطيف بربن، فهي الأكثر صخباً وقوة، بحيث تحول المقدس الى مضاد علني للفقير المضطهد لطيف بربن "ولي عودة لفحص نصوص هذا الشخص البارع والفريد "أريد إيضاح عنصر جوهري في نص النكتة وهو "التقنية" التي تضيء براعة الراوي وتفوقه على غيره من الرواة المجايلين له والذين يواجهون بعضهم البعض عبر صراع ثقافي، معبر عنه بالنكات. وعنصر "التقنية" ملكية للراوي المثقف وليس المتعلم فقط، لذا دائماً ما تكون المرويات المتميزة بتقنيتها من نتاج فرد، تمتع بدرجة جيدة من الثقافة والقدرة على توظيف الاستعارة: الرمز / المجاز .
نستطيع التعامل مع مثل هذه النصوص باعتبارها مرويات مثقفة وهذا أمر مهم للغاية، وذلك لأن هذه السلاح الاجتماـ سياسي والثقافي لم يعد حكراً على الأفراد والجماعات الفقيرة والمعزولة بواسطة طردها الى هوامش الحياة المجتمعية .
وكلما ازداد الوضع الاقتصادي والسياسي تدهوراً ازدادت الجماعات المقهورة بقسوة تمرداً سليماً ومن تمظهراته شيوع وسيادة المرويات الساخرة / النكتة وهي على العموم من المظاهر الاجتماعية والمهنية المنفلتة والتي لا تقوى السلطة عبر أجهزتها القمعية من وضع حداً لها أو التقليل من خطرها الزاحف مثل النار بالهشيم والدلائل الاجتماعية والسياسية على هذه الظاهرة الثقافية ما حصل في مصر بعد هزيمة سبعة حزيران 1967 وشيوع تيار جارف من السرديات الساخرة ، المستهزئة من القيادة والتشكيك والانفلات القاسي والمرّ المستهدف لكبار المسؤولين والقادة وتحولت السرديات التي أنتجتها جماعات مغلوبة وجائعة لكنها لما استقوت على ذلك سنوات عديدة، وجدت في الاندحار والخسارة نوعاً من الإنزال الوطني والقومي، خسرت فيه مصر دورها الطبيعي في العالم، فلجأت للسلاح القادرة على إنتاجه وتصنيعه والذهاب بقوة لتبادله وإخضاعه الى ما يشبه الحملة أو التنظيم الفاعل، هكذا تبدى الأمر، كذلك على الرغم من التلقائية والعفوية، التي أجبرت الرئيس عبد الناصر للإشارة لذلك في إحدى خطبه السياسية طالباً من الشعب المصري أن يكفَّ عن تداول السردية الساخرة والتنكيت الذي تحول سلاحاً لمقاومة السلطة ومؤسساتها. وفعلاً كان موقف عبد الناصر ذكياً، لأن الدولة التي انهارت مؤسساتها مثل الجيش والإعلام، تحتاج أكثر ما تحتاجه الى الهدوء وتوفير ما يساعد في امتصاص تأثيرات الهزيمة لإعادة ترميم ما يمكن ترميمه، وإيقاظ الروح العميقة للشعب "الفرعوني" الذي كثيراً ما انهزم وتجاوز سقوطه، لذا عاودت المؤسسات الكبرى محاولات البناء من جديد، مثل الجيش ولعبت الثقافة والفنون دوراً بارزاً وكبيراً في هذا الفضاء الذي ما زلنا نتذكره.
علينا التعامل مع النكتة بوصفها إبداعاً سردياً مميزاً للأفراد والجماعات في آن واحد، لسبب جوهري هو أن الفرد / الكائن هو الذي يبتكرها ويمتلك طاقة روايتها. أما دور الجماعة فهو التلقي الماهر والحذر والمساهمة بروايتها، بمعنى اتخاذ صفة الراوي الثانوي، وأحياناً يتخذ الفرد المتميز بالروي دوراً مماثلاً لدور المنتج الأول ويتقمص دور المبدع الأول، ويوهم بذلك. واعتقد بأن للثقافة الشعبية تنوعات كثيرة، هي العناصر الداخلية المكونة لهذا المصطلح وتشترك بالترويج لها افراد وجماعات متعلمة ومثقفة وأخرى أميّة، لا تقرأ ولا تكتب، وتتميز شخوص بعناصر تتكفل الروي الهادئ، الحذر، مثلما قلت ـ السريع واللبق ومعرفة تمثيل المروي بحركات سيميائية، تلعب دور الداعم من اجل أنجاح مهمة الروي واستكمال السرد. من هنا أنا أتعامل مع النكتة كنصّ إبداعي يستدعي مستلزمات تتكفل الدعم والترويج وتوسيع فضاءات التبادل والتواصل، حتى يحقق هذا النوع الأدبي / السردي والفن الساخر حضوره القوي واستكمال ممكناته في أحداث المطلوب الاجتما ـ سياسي والاقتصادي والثقافي، لأن هذا النوع المثير قادرٌ على تحقيق المطلوب منه، لذا اهتمت به مؤسسات النظام السابق.
تكشف النكتة عن الأنا / البسيطة والساذجة والمتعلمة والمثقفة . وتكاد تكون مرآة لها، وسلاحها الذي تقاتل به من اجل تكريس الأنا / الذات العربية التي واجهت باستمرار الاستهداف القاسية عبر الحقب والفترات الخطيرة ، والتي هزتها بقوة وأظهرت الذات اللائذة خلف النكتة التي لم تكن حقيقة أو واقعة فعلاً، بل هي تمثيل ومقترب لما هو حاصل وأيضاً هو غير وثائقي .
وأجد بالدلالات العميقة المتنوعة ـ التي سندرسها لاحقاً ـ ذات وظائف عديدة ، تمنحها صلاحية أن تكون نصاً ادبياً شعبياً وهذا توفره لنا الحكاية المعترف بنوعها، لأن النكتة تمثل نوعاً من الحكاية / سرد كما قلنا والعودة لنموذج واحد من تنوعات النكتة، سنرى بأنها مكونة من العناصر البنائية التي تشكلت منها الحكاية المعروفة منذ زمن بعيد وهي الشخصي / الزمان / المكان / النمو السببي والانفراج . لكن علينا أن نؤشر بأن ثنائية الزمان والمكان ذات حضور شفاف ويتم أحياناً تمثيله ببلاغة، وتختفي أحياناً أخرى، وفي مرات تستدل عليهما، ويصعب تحقق ذلك في أحياناً أخرى وكثيراً تذهب النكتة للمكان، فهي متخندقة له أخيراً . حضوره وكما قلت شفاف جداً، تجري به ووسطه الحكاية كلها أو جزء منها. لكن لا نستطيع الجزم بتوفير عناصر الحكاية كلها في النكتة وبإمكان القارئ أو المتلقي البحث عن وجودها المسكوت عنه في السرد .
هذا النوع من الأدب الشعبي متجاور مع غيره، والأنواع الأدبية الشعبية عديدة ومعروفة، منها الأمثال، الأغنية، الألغاز / ألفاظ الجنس، .... إلخ، الأكذوبة المروية وملاحظة هذه معاً، سنجدها مرويات / بمعنى هي سرديات طويلة أحياناً وقصيرة أيضاً، وبعضها مركز للغاية مثل المثل الشعبي، ولأن النكتة هي المروية الأكثر حضوراً وأوسع تداولاً نستعين بالأنواع الأخرى، لتعزيز قوتها وتأثيرها لذا أنا أعتقد بأن المرويات الساخرة جداً أكاذيب مروية في أحيان كثيرة، لأن الفرد لديه قضية وبحاجة لرسالة ، تناصره وتدعم الجماعات المنتمي إليها، فيضطر لابتكار حكاية / أكذوبة أو مثلما اسماها د. عبد الله الغزامي " التكاذيب" وهي ـ النكتة ـ متخيلة بمهارة ويوظف المنتج أو الراوي ما يستطيع عليه من مكملات لإضفاء ما تسعى إليه المروية، وهي تبادل الرسالة من اجل هدف عام، وأيضاً النجاح في تحقيق أثار الدهشة والضحك الخفيف وأحياناً العميق والقوي .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الفياض: الحديث بالخفاء ضد الحشد "خيانة"

العراق يعلن انحسار الإصابات بالحمى القلاعية

موجة باردة تجتاح أجواء العراق

بينهم عراقيون.. فرار 5 دواعش من مخيم الهول

هزة أرضية ثانية تضرب واسط

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد:أريش فولفغانغ كورنغولد

صورة سيفو في مرآة الوهايبي

"مُخْتَارَات": <اَلْعِمَارَةُ عِنْدَ "اَلْآخَرِ": تَصْمِيمًا وَتَعْبِيرًا > "لِوِيسْ بَاراغَانْ"

"حماس بوينس آيرس" أول مجموعة شعرية لبورخس

علي عيسى.. قناص اللحظات الإبداعية الهاربة

مقالات ذات صلة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت
عام

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

أدار الحوار: مارسيلو غلايسر* ترجمة: لطفية الدليمي ما حدودُ قدرتنا المتاحة على فهم العالم؟ هل أنّ أحلامنا ببلوغ معرفة كاملة للواقع تُعدُّ واقعية أمّ أنّ هناك حدوداً قصوى نهائية لما يمكننا بلوغه؟ يتخيّلُ مؤلّف...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram