TOP

جريدة المدى > عام > المسكوت عنه في التأريخ.. موضوعاً في الرواية العربية المعاصرة

المسكوت عنه في التأريخ.. موضوعاً في الرواية العربية المعاصرة

نشر في: 16 أكتوبر, 2017: 12:01 ص

من المتغيّرات وربما الجديد اللذين نرصدهما في بعض روايات العقدين الأخيرين، ويتعلقان بالمسكوت عنه ولاسيما الجنسي، الرجوع إلى التأريخ القديم والحديث وحتى المعاصر واستلهامه، ولكن ليس من خلال التأريخ الرسمي والمعلن والمكتوب بوصفه تأريخاً، ولكن بالبحث عن ا

من المتغيّرات وربما الجديد اللذين نرصدهما في بعض روايات العقدين الأخيرين، ويتعلقان بالمسكوت عنه ولاسيما الجنسي، الرجوع إلى التأريخ القديم والحديث وحتى المعاصر واستلهامه، ولكن ليس من خلال التأريخ الرسمي والمعلن والمكتوب بوصفه تأريخاً، ولكن بالبحث عن المسكوت عنه، نساءً وجنساً، وديناً أولاً، وبوعي معاصر إن لم نقل جديداً.

يقول الكاتب العراقي فاضل العزاوي: "لقد ألحّ منظرو الكتابة التأريخية على وعي المبدع الثاقب، وتجلّيات هذا الوعي داخل النص الروائي، لأن الماضي لا يهم في ضوء الماضي، وإنما يُدرك في ضوء وعي الحاضر... إن الرواية تمتلك حق امتلاك الماضي".، وهو ما تعامل معه، في العقد الأخير أو العقدين الأخيرين روائيون عديدون.
والواقع أن المسكوت عنه، قد حضر بكل أنواعه، الجنسي والديني والسياسي، لا كما يُتمثّل في التاريخ، بل كما يُتمثّل افتراضاً على أرض الواقع، وهو ما فعله كتّاب مثل العراقيين علي بدر في "بابا سارتر"- 2001، وميسلون هادي في "حفيد البي بي سي"- 2011، ولطفية الدليمي في "عشاق وفونوغراف وأزمنة"- 2017، وجميعهم يستحضرون التأريخ القريب لبغداد والعراق ولكن في أوساط وقطاعات وبيئات ونخب اجتماعية مختارة، واليمني حبيب سروري في روايته "ابنة سوسلوف"- 2014- والذي استحضر فيها التأريخ المعاصر لليمن ووظف ما يبدو أنه تخيّله مسكوتاً عنه سياسياً، والعراقي عبد الكريم يحيى الزيباري في "أغنيات الطريق الى حلبجة" الي يستحضر فيها بعض المسكوت عنه في تأريخ كردستان العراق، والمصري أحمد مراد في رواية "1919"- 2014- التي يستحضر فيها ثورة 1919 وما حولها مع توغل في ما لم يُعنَ به التاريخ الرسمي في الحياة الخاصة لبطلها سعد زغلول، والفلسطيني الذي ذهب، في روايته "أورفوار عكا"- 2014- إلى الجانب الدموي في بعض تأريخ فلسطين، والإماراتية ريم الكمالي في روايتها "سلطنة هرمز"- 2014- التي ربما يغلب عندها الخيال والتخيل وهي ترصد مراحل من تأريخ المنطقة، والسوداني حمور زيادة في روايته "شوق الدرويش" التي انتقى فيها، من ضمن ما انتقاه، من التأريخ السوداني بعض المسكوت عنه المتعلق بالآخر والعلاقة بالآخر، واللبنانية جنى فواز الحسن في روايتها "طابق 99"- 2014- التي تجرّأت على الدخول في عمق العلاقة ما بين الفرد اللبناني والفرد الفلسطيني في ظل ما انطوى عليه من سلبيات ودم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والجزائري واسيني الأعرج في روايته "مملكة الفراشة"- 2013- التي تشكّل عندنا صرخة على ما شهده التأريخ الحديث للجزائر ولم يُسجل تماماً، والمغربي محمد برادة، في روايته "بعيداً من الضوضاء، قريباً من السكات"- 2014- التي ينكشف فيها الكثير من مسكوت السياسة والجنس؛ والأمر من هذه الناحية ينسحب على التونسي شكري المبخوت في روايته "الطلياني"- 2014. ويحاول روائي آخر، هو المغربي عبد الإله بن عرفة، في روايته "ياسين قلب الخلافة"- 2013- أن لا يرجع إلى التأريخ فقط ولا إلى كشف المسكوت عنه، بل توظيفه لصالح ما يؤمن به من فكر يسوّق لعودة دولة الخلالفة الإسلامية.
أما لينا الحسن، فهي في روايتها "ألماس ونساء"- 2014- ذهبت بعيداً في تعاملها مع التأريخ، حين سعت "إلى كشف الغطاء عن المسكوت عنه والممنوع والمحظور و(المعيب) فيه، من أحداث وخفايا اجتماعية وحياة نساء وشخصيات أخرى، أطلقتها من محبسها الكتابي والتاريخي والوثائقي وقد استوعبته في متخيّل انبنت عليه الرواية"، وهي في هذا كله تستحضر واقعاً خاصاً لسوريا نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، ولكن مع التركيز خبايا السوريين في المهاجر.
نعتقد أن الروائي يمتلك المبرر المشروع في أن ينظر، في هذا كله، إلى ما قد لا ينظر إليه التأريخ،  أو لنقل ما يتجاوزه ولا يسجّله، تماماً كما ينظر إلى الواقع فيرى ما قد لا يراه آخرون فيه. يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: "لا يصف الروائي الواقع بل يستخلص منه ما يعطي لروايته معنى. وما يتحصّل عليه القارئ من رواية هو غير ما يتحصّل عليه من بحث في التاريخ، فالرواية تُجمل له ما يطويه ذلك التاريخ من أسرار وخفايا، وعدالة أو ظلم، وهو ما يتعّذر وصفه بالبحث، ورصده بالتاريخ، وفيما يجعل التاريخ القارئ مشرفًا على تيار الأحداث، يجعله السرد يخوض فيه، وعند هذه النقطة فلا فائدة من السؤال عن الحصيلة المعرفية المتأدّية عن السرد، بل السؤال عن تشكيله للصور الذهنية عن الأخلاق، والعادات، وأنماط العيش، والحريات، والكراهيات، والتحيّزات، وغير ذلك من الركائز الاجتماعية الكبرى التي يقع تمثيلها وليس تقريرها. وبما أنّ الروائي ليس مؤرّخاً، ووظيفة هذا تختلف عن وظيفة ذاك، فإن هذه الصور الذهنية، وهي قوام الكتابة السردية، تعطي لقارئ الرواية، ثم لكاتبها، معنىً مصوّراً عن العالم، أي أنّها تعرض عليه أشكالًا عديدة للعالم إلى درجة يتكاثر فيها فيصبح عوالم بعدد الروايات التي يقرأها؛ لأن كل عالم سردي تعرضه رؤية ما، وتبني أفعاله شخصيات معيّنة، ويتركّب بأحداث غير التي يتكوّن بها عالم سردي آخر".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة
عام

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

د. نادية هناوي جددت المدرسة الانجلو أمريكية في بعض العلوم المعرفية كعلم النفس اللغوي وفيزياء الأدب وعلوم الذكاء الاصطناعي أو أضافت علوما جديدة كانت في الأصل عبارة عن نظريات ذات فرضيات أو اتجاهات كعلوم...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram