وسط تزايد الوطنية المتطرفة والشعبوية، فإن أدب مما يسمّى "منتصف ليل القرن" قد اُحتفي به من جديد. بين عامي 1930 و1950، حين اصطدمت الإمبريالية والفاشية والستالينية عبر العالم- أعيد تحديد الكوابيس بشكل عنيف، بينما كان الكتّاب شهوداً على الحرب العظمى، وال
وسط تزايد الوطنية المتطرفة والشعبوية، فإن أدب مما يسمّى "منتصف ليل القرن" قد اُحتفي به من جديد. بين عامي 1930 و1950، حين اصطدمت الإمبريالية والفاشية والستالينية عبر العالم- أعيد تحديد الكوابيس بشكل عنيف، بينما كان الكتّاب شهوداً على الحرب العظمى، والجرائم الكبرى، وأخيراً استعمال الأسلحة الكبرى في التاريخ الإنساني. الروايات الدايستوبية (التي تصف واقعاً مريراً) مثل رواية "يمكن أن يحدث هنا" لسنكلير لويس- 1935 و"1984"-1949 لجورج أورويل تعود رائجة، إذ أنّ القرّاء يبحثون عن المتوازيات مع الماضي والمفاتيح للمستقبل.
نيل بارتليت، المخرج المسرحي، كان يلهمه بالأخص كتاب واحد من ذلك العصر هو "الطاعون" لألبير كامو. يقول متأملاً:" التلوث، الغزو، الهلع، الحدود المغلقة. ربما تكون هذه رواية كلاسيكية لكن بإعادة قراءتها ربما تشعر بأنك تشاهد أخبار الساعة العاشرة".
تدور رواية "الطاعون" لألبير كامو في مدينة "وهران" الجزائرية، إذ توصف كونها مدينة ساحلية مضجرة ومغبّرة ،"مبنية وظهرها للساحل". تستهل الرواية حين يبدأ بطلها الدكتور ريو بملاحظة موت الجرذان. سرعان ما يسقط البشر أيضاً، وأخيراً تجد المدينة نفسها محجورة عن بقية العالم. المواطنون يعزلون عن الأصدقاء والعائلة والعشّاق ما وراء حدود البلدة، والمنازل التي تعاني المصائب محجورة بنفسها عن بقية المدينة. لن يطول الأمر حتى يموت المئات كل يوم: الجنائز تحل محلها عمليات دفن سريعة بلا مراسيم ما وراء بوابات المقبرة المغلقة. سرعان ما يحل العنف والنهب والسلب. بينما تتكوم الجثث يسود مناخ اليأس والاستسلام.
اختار كامو مدينة وهران بسبب ميزاتها التي لا تثير الحماس؛ في اعتياديتها يمكن لوهران أن تعاني من أجل كل مدينة على الأرض تقريباً. بالنمط نفسه، جرى تمثيل الاعداد المسرحي لرواية "الطاعون" للسيد بارتليت في مسرح أركولا في لندن إذ تقع أحداثها على موقع عار بوجود المنضدة والكراسي فقط. يوصف الطاعون بشكل فاتر من وراء لوح على شكل مؤتمر صحفي يدور حول الموت. فيما بعد يعاد ترتيب الطاولة كفراش في مستشفى. إن مثل هذا المبدأ الشمولي مؤثر، إذ أغلب قانون الدايستوبيا كُتِب ليفحص أدوات الفاشستية بينما تبحث رواية "الطاعون" لتكشف رد الفعل الإنساني المشترك تجاه موقف مستحيل يتسم بالتشاؤم. يشمل هذا بالنسبة لكامو وصفاً سلبياً لردود أفعال الناس بلا أمل أو هروب دون إضافة إي ملامح جزائرية أو فرنسية.
يؤدي الدكتور ريو خلال الرواية واجباته بمهنية متماسكة ولامبالاة متزايدة نحو قدر مرضاه. وبينما تستمر الحقائق المرضية اليومية للطاعون، فإن المسافة العاطفية بين الطبيب ومرضاه تصبح محتومة: إرهاق الشفقة يضرب. في الوقت نفسه تصاب زوجته بمرض لا علاقة له بالطاعون، وتموت وحيدة وراء حدود الحجر الصحي. اللحظة الحاسمة في القصة تظهر حين يجد "رامبر"، وهو صحافي جوّال، نفسه في المكان والزمان الخطأين حين تغلق المدينة، ويُعطى الفرصة للهرب فيرفضها. يبقى هناك ليعمل مع أصدقائه ويكافح الطاعون.
أخيراً يمر الوباء وتفتح مدينة وهران أمام العالم. يذكرنا السارد في الصفحات الأخيرة من الرواية بأن ناس المدينة المحتفلين يبتهجون غير مدركين بأن " جرثومة الطاعون لن تموت وتختفي نهائياً إذ يمكنها أن تبقى ساكنة للعديد من السنوات في الأثاث والملابس، وتنتظر بصبر في غرف النوم والأقبية والحقائب والمناديل والأوراق القديمة، وربما يأتي اليوم الذي يوقظ فيه الطاعون جرذانه ويرسلها للناس من أجل شقائهم وتعليمهم إلى أن يدركهم الموت في مدينة سعيدة".
سيجادل البعض بأن اليوم قد حلّ أو أنه يبزغ الآن. كتبت الرواية كونها ترميزاً للحياة في باريس المحتلة، وهي ليست تصويراً قريباً للشر والهيمنة. إنها بالأحرى تمثل دليلاً للتضحية والقنوط لأزمة غير قابلة للسيطرة عليها؛ وهذا هو السبب في تردد صداها بقوة كأيّ شيء آخر نشر خلال منتصف ليل القرن الأخير.
اليوم فإنّ عبثية جهود "ريو" ربما تتوجه بالكلام لأولئك الذين لديهم خوف زاحف بأنّ الأفكار الجيدة لم تعد تعتبر قيّمة من قبل جمهور الناخبين الغاضبين والهادمين للقيم التقليدية. فجأة الملايين من الناس ينظرون مرة أخرى إلى جوازاتهم ويتساءلون متى وأين يجري الترحيب بهم. إن الوصفات العادية للحقائق والجدال العقلي ودعوات التعاطف نادراً ما تؤكد على العجز في تبني الأمور الجدية. الآن لا يوجد ترياق معروف. من حسن الحظ أن خلاصنا يكمن فيما ختم به البطل الرواية : "إن الإنسان فيه مما هو جدير بالإعجاب أكثر مما يستحق الازدراء".
عن: مجلة الإيكونومست