بعد أكثـر من ثلاثين عاماً على صدور روايتها "قصة الخادمة"، تدخل مارغريت آتوود قائمة الكُتاب الأكثـر مبيعاً في العالم، الرواية التي تمَّ تحويلها إلى مسلسل تليفزيوني، تناولت فيها الكاتبة الكندية المستقبل الاستبدادي للولايات المتحدة، حيث تُجبر النس
بعد أكثـر من ثلاثين عاماً على صدور روايتها "قصة الخادمة"، تدخل مارغريت آتوود قائمة الكُتاب الأكثـر مبيعاً في العالم، الرواية التي تمَّ تحويلها إلى مسلسل تليفزيوني، تناولت فيها الكاتبة الكندية المستقبل الاستبدادي للولايات المتحدة، حيث تُجبر النساء على العبودية الجنسية، وقد أدّى انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، إلى جعل هذه الرواية أشبه برؤية أقرب للواقع.
تقترب الكاتبة الكندية الشهيرة من الثمانين من عمرها، ولدت عام 1939، ووراؤها 17 رواية و20 ديوان شعر وخمسة كتب للأطفال وعدد كبير من القصص، تُرجمت الى خمسين لغة، ابتكرت لنفسها طريقة خاصّة بالكتابة تقول عنها: "لا اؤمن بالعقدة الروائية، وأحاول أن أمزج بين الحقيقي والخيالي، واليومي والمجازي .
ظلّت على قائمة ترشيحات نوبل، وفي كل عام تتوقع الصحف الكندية، أن آتوود ستنال الجائزة، ثم فجأة وبعد أكثر من مئة عام، الإعلان عام 2013 عن فوز كندا، للمرة الأولى بنوبل الآداب. لكن المفارقة أنّ الجائزة أُعطيت لمؤلفة لم تتوقعها وسائل الإعلام التي كانت تنتظر أن تفوز بها آتوود، فذهبت الى أقرب صديقاتها آليس مونرو.
سألها صحافي مشاغب عن مشاعرها وهي ترى الجائزة تذهب إلى امرأة كندية آخرى، فأجابت مبتسمة: " لن يذهب مبلغ الجائزة بعيداً، فسأحصل على وليمة فاخرة في بيت صديقتي آليس"، بعدها وفي نفس اليوم، تنشر على تويتر صورة لها مع آليس مونرو مع عبارة: "الان نحتفل بفوز الخيال الكندي الجامح" .
بدأت الكتابة في سن السابعة، وأدركت مبكراً أنه يجب أن تكتب الأدب بحرفية، لم تدخل مدرسة حتّى سن الحادية عشرة، في الخامسة عشرة من عمرها، تعثر على كاتبها المفضل "فرانز كافكا"، قرأت له كتاب "المحاكمة"، وتتذكر كيف أنّها ظلّت مستيقظة الى صباح اليوم التالي، وعندما جلست على مائدة الإفطار قالت لوالدها عالم الحشرات: "لقد وجدت مهنة تناسبني.. إنها الكتابة".
جلست لتكتب روايتها الأولى، اختارت لها اسم "الدمية" ترجمتها الى العربية سامية دياب، تدور فكرتها الرئيسة عن الزمن الذي يريد أن يعبث بمصائر الناس، بطلة الرواية "زينيا" تدرك جيداً أنّها ستتحول في يوم من الأيام الى غبار منثور، مبعثر في الريح، وستصبح تأريخاً فقط . تجازف فترسل المخطوط الذي كتبته الى إحدى دور النشر، وبعد أشهر، كان الجواب: "الأوراق غير مفهومة"، تتركها جانباً لتكتب روايتها الثانية "المذنبة" في ذلك الوقت تعثر على كاتب مُلهم جديد إنّه جورج أرويل: "أدين لجورج ارويل وكافكا، بأنني تعلمت الكتابة من خلال عشقي لرواياتهما، دوماً، لم أرد أن أكون بوقاً لأيّ مذهب ".
تلاقي روايتها الثانية نفس المصير، لتتوقف عن كتابة الرواية، وتتوجه للشعر، فتصدر ديوانها الأول "لعبة الدائرة" وهي في الخامسة والعشرين من عمرها. تحقق من خلاله أول اعترف أدبي، تعود للرواية من جديد فتكتب "السطح" ترجمها الى العربية عبد الحميد فهمي، تجد الرواية ناشراً يتحمس لطبعها، وكان يأمل في أن تُباع الثلاثة آلاف نسخة في حدود عام أو عامين، لكن المفاجأة كانت في انتظار الفتاة الكندية، حيث نفدت الرواية التي تعالج بعضاً من القضايا المتعلقة بالهوية وموقف المجتمع من المرأة، نقرأ قصة امرأة، اسمها غير معروف، تعود إلي مدينتها في كندا، لتبحث عن والدها المفقود. وفي صحبة كل من حبيبها وزوجها وصديقتها آنّا، حيث نجد هذه المرأة تقابل ماضيها في بيت الطفولة، مستدعية الأحداث والمشاعر بينما تحاول أن تجد حلولاً لألغاز اختفاء أبيها الغامض. إلا أنّ الماضي بكل مآسيه وذكرياته يتغلب عليها، فيقودها الى مصحّة للمجانين .
عندما بلغت السادسة والأربعين، نشرت روايتها "قصة الخادمة"، ترجمها الى العربية عبد الحميد فهمي، يبدو الأمر لها أشبه بالمفاجأة، فالرواية التي تحذر من مستقبل كارثي لمجتمع يسوده العقم، تهيمن عليه طائفة من رجال الدين، تُقسم فيه النساء الى طائفتين، مجموعة تخضع للاستعباد الجنسي لإنجاب الأطفال من رجال الدين الأقوياء، ومجموعة هنّ زوجات هؤلاء الرجال يعانين من العقم، فيأخذن الأطفال من أمهاتهن. وتقول آتوود: "تأثرت كثيرا بسيمون دي بوفوار، وبالخصوص كتابها العظيم "الجنس الآخر" والذي تسلط فيه الضوء على نظرة الرجال الى النساء على اعتبارهن مجرد جنس. جنسٌ مطلق ولا شيء غير ذلك. فالمرأة ثانوية والرجل ضروري وأساسي. الرجل مطلق والمرأة هي الآخر."
في الرواية نجد مجتمع الرجال ينظر الى المرأة باعتبارها وعاءً لتفريغ الشهوات، حيث العمّة ليديا التي تقوم بدور المتحدث الرسمي للحكومة الدينية، تصرّ على أنّ النساء مجرد أشياء مكمّلة لعالم الرجل، اعتبرت الرواية بعد صدورها منشوراً اجتماعياً وثقافياً ونقداً للتقاليد والعادات الموروثة .
رشّحت الرواية لجائزة البوكر، لكنها منحت في ذلك العام لكينجسلي أميس، تضحك وهي تجيب عن عدم منحها الجائزة آنذاك: "قالوا إنني لا أزال صغيرة، هكذا تسير الأمور، كل ما علينا هو أن نواصل الكتابة، لا شيء غير ذلك"، بعد خمسة عشر عاماً، تخطف آتوود جائزة البوكر عن روايتها "القاتل الأعمى" ترجمتها الى العربية عزة مازن، وفيها نتعرف على حكاية شقيقتين، إحداهما انتحرت بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة مقتل حبيبها في الحرب، والثانية امرأة مسنّة تستعيد ذكريات طفولتها وعلاقتها غير الشرعية بحبيب شقيقتها، إضافة إلى زواجها التعيس من رجل يكبرها سنّاً.
عانت آتوود من نظرة المجتمع لها، لأنها لم تستقر في علاقتها الزوجية الأولى ولا الثانية، وتقول آتوود في حوار معها لصحيفة الغارديان إنها: "من ذلك الجيل الذين قيل إنهم من المؤرخين الاجتماعيين والأدباء أيضاً، إن على المرأة الكاتبة، منح نفسها لأدبها، لأنها غير قادرة على الإمساك بطرفي الكتابة والأسرة".
قبل أيام فازت آتوود بجائزة فرانز كافكا الدولية لعام 2017، وقالت خلال المراسيم التي أُقيمت في براغ: "هذه الجائزة خاصة جداً بالنسبة لي، لأن أوّل محاولة أدبية مستقلة كتبتها كانت بوحي من فرانز كافكا في الخمسينيات. لقد قرأت في تلك الفترة، سيرة حياة فرانز كافكا، فضلاً عن كل أعماله، وأنا اذكرها جيداً" .
وعندما سئلت هل لديها مشكلة لكونها الكاتبة الأكثر مبيعاً، ومع ذلك تأخرت نوبل عنها حتى الآن؟ قالت: "الجميع يسألونني عن جائزة نوبل، بينما أنا ليس لديّ أي سلطة في هذا الشأن، أما بخصوص المبيعات، فهناك أربعة أنواع من الكتب: كتب جيدة رائجة، كتب جيدة غير رائجة، كتب رديئة رائجة، كتب رديئة غير رائجة. النوع الأخير بالتأكيد هو النوع الذي لا يريد أحد منّا كتابته" .
تنعكس أهمية كتابات مارغريت آتوود في تنوعها، ورغم إصرارها على الغوص في عالم المرأة من خلال معظم أعمالها الروائية، لكن ذلك لا يعني انفصالها عن الحاضر ومشاغله؛ علاوة على أنها مسكونة ومنشغلة بالاحتمالات التي يحملها المستقبل، مثل ظاهرة الاحتباس الحراري والحروب الحديثة وكوارث البيئة وظاهرة الفقر وعدم المساواة في الأجور والأهم حقوق المرأة .
قالت للصحافة في اخر حوار معها ، إنها سلَّمت مخطوطة رواية جديدة بعنوان "القمر المزخّرف" لـ "مشروع مكتبة المستقبل"، وهو مشروع فني أدبي سيقوم بجمع 100 نصّ أدبي خلال القرن المقبل، ونشرها في العام 2114. وستكون آتوود الكاتبة الأولى التي ينشر عملها بعد مئة عام.