TOP

جريدة المدى > عام > العرفان وحياتنا المعاصرة (القسم الأول)

العرفان وحياتنا المعاصرة (القسم الأول)

نشر في: 24 أكتوبر, 2017: 09:01 م

لاأحسبُني مغالية إذا قلت أن العرفان (وتوأمه التصوف) يمثلان التجربة الأكثر أهمية في كامل الإرث الحضاري الحقيقي الذي انتهى إلينا وسط كمّ هائلٍ من الممارسات البائسة المتسمة بالمبالغات والشوفينية والتخريب والتي أريد لها أن تكون السمة الطاغية على كامل ترا

لاأحسبُني مغالية إذا قلت أن العرفان (وتوأمه التصوف) يمثلان التجربة الأكثر أهمية في كامل الإرث الحضاري الحقيقي الذي انتهى إلينا وسط كمّ هائلٍ من الممارسات البائسة المتسمة بالمبالغات والشوفينية والتخريب والتي أريد لها أن تكون السمة الطاغية على كامل تراثنا الإشكالي الذي لايمكن تبرئته من المساهمة (مع عوامل مساندة أخرى) في هذه الفوضى الحضارية الكارثية التي نعيش في خضمّها، وقد نختلف بشأن موضوعة بعينها في إرثنا الإشكالي هذا؛ ولكن في كل الأحوال ثمّة اتفاق بين معظم النقاد والباحثين في حقل الدراسات الثقافية وتأريخ الحضارات والأفكار - عرباً وأجانب - على أن حقل العرفان والتصوف يمثل التجربة المشرقة المظلومة المسكوت عنها (باستثناء حالات قليلة كُشِف النقاب عنها في أزمان قريبة)، وأن هذه التجربة جديرة باعتمادها كأعلى منتجات الرأسمال الرمزي القابل للتوظيف في الانطلاقة الحضارية المعاصرة لو صدقت النوايا وترفّعت الأفعال عن الضغائن وصغائر الأمور . 
لستُ أسعى في هذه المقالة إلى تناول العرفان كوسيلة أخيرة يلجأ لها المخذولون الذين رأوا العالم محض أرض خربة أو مكاناً شائناً لايصلح للعيش وينبغي إحداث القطيعة الكاملة معه؛ إذ في هذه الحالات يكون العرفان ملاذاً فردوسياً متخيلاً لهؤلاء يوفّر لهم مجالاً حيوياً للتنفس ومحاولة عيش تجارب حياتية جديدة تكون في معظمها مصطنعة وغير ذات جدوى في غالب الأحيان؛ بل أنها قد تدفع المرء ليكون ذا خطورة مجتمعية ( sociopath ) أحياناً، وللأسف فإن هذا المآل الذي ينتهي له الفرد ويسقط في هوته العميقة ماهو إلا تمثّل قبيح ومصطنع لروح العرفان وخطابه الجميل الأنقى، ويستوي مع هؤلاء المخذولين عدد ليس بالقليل من الغربيين الذين ضاقوا ذرعاً بتعقيدات الحياة الاستهلاكية التي جاءت بها الثورات الصناعية المتعاقبة وتقاليد الحداثة ومابعد الحداثة؛ إذ كم سمعنا (ومازلنا نسمع بين آونة وأخرى) انخراط ممثل هوليودي أو شخصية ثرية معروفة في تجربة روحانية لدى البوذيين في أعالي التبت مثلاً، وربما لايعرف سوى القليل منّا أن معظم هؤلاء كتبوا عن خذلانهم في تجاربهم تلك وأنها لم تُضِف إليهم ماكانوا يتوقعونه أو يتمنونه منها. ربما تكون تجربة الممثل العالمي (ريتشارد غير Richard Gere) كاشفة في هذا الميدان؛ فقد تحدث في أعقاب رحلاته الكثيرة إلى التبت عن خذلانه وعدم حصوله على الاستنارة الذاتية الداخلية التي كان يتوقعها، ولعل السبب الكامن وراء هذا الإنخذال هو البون الشاسع بين سقف التطلعات من جهة والإعدادات الذاتية المسبقة غير المتناغمة مع النزوعات العرفانية من جهة أخرى، ومنها ترسبات الحياة التنافسية وانعكاسات الشهرة ونمط العيش المادي، وفي هذه الموضوعة تطول الأمثلة وتتعدّد المُسبّبات.
يمكن في هذا السياق الإشارة إلى شيوع حالة الإنضواء تحت لواء حركات جماعية خاصة Cult Culture في العالم الغربي (مثل حركة العلموية Scientology) والتي يمكن اعتبارها نظيراً للعرفان المشرقي مع الفارق، وهي في معظمها دلالات شاخصة على النزوعات الروحانية الدفينة للإنسان المعاصر ورغبته الملحّة في مغادرة أشكال التدين التقليدية التي فقدت جوهرها القيمي وماعادت تختلف بشيء عن التنظيمات المؤسساتية الحكومية البيروقراطية المتغولة، وليس بعيداً ذلك اليوم الذي قد نشهد فيه رجحان كفة الإنشغالات الروحانية ذات الطبيعة العرفانية على كفة المؤسسات الدينية التقليدية التي عجزت عن إنقاذ البشرية من انحدارها المتواصل. أريد هنا أن أكون براغماتية (بالمعنى الإيجابي الجميل والنافع للبراغماتية)، وسأتحدث عن تفاصيل معينة في ميادين محددة، حيث يمكن للعرفان أن يكون رافعة حضارية تعمل بإتجاه فائدة الفرد والمجتمع معاً بغية بلوغ معنىً جديد غير مسبوق للحياة البشرية :

العرفان: مقاربة مختصرة في الجوهر والطبيعة
يختص الكائن البشري - وربما الكائنات الغير بشرية أيضاً - بميزة فريدة تماماً : تلك هي الوعي التام أن السنوات التي يُحسَب بها عمر الكائن - مهما طالت - تبقى قصيرة وغير قادرة على تمثل كافة أنواع التجارب التي يمكن أن يتفاعل معها العقل البشري ويحولها خبرات منتجة. ليس الأمر مرهوناً بقصر سنوات عمرنا فحسب بل بمحدودية الفضاءات الفيزيائية التي تُعَدُّ ميادين حقيقية لاكتساب خبراتنا ؛ إذ ثمة محدوديات فيزيائية تقيد إمتداد وتنوع تجاربنا، وهنا نواجه المفارقة القاسية التالية: كيف السبيل إلى تمثل تجارب غير مطروقة - بكل غناها وثرائها - ونحن نعيش تحت ضغط هذه المحدوديات التي هي بمثابة واقع حال معلن؟ يبدو لي أن الجواب المقبل لهذه الاشكالية ينحو حتماً لأن يكون حفراً واستكشافاً متواصلاً في الفضاء العرفاني، الجواني، الذي يتشكل من عناصر تحيل إلى أصول النشأة الاولى الناجمة عما يشبه الانفجار الكوني الأعظم الذي هو مادة الكوسمولوجيا الأثيرة وميدان أبحاثها الأرحب؛ إذ ثمة مضاهاة ومشابهة بين الفرد البشري والكون من حيث ظروف التخليق والإستحالات التطورية اللاحقة، وربما كانت هذه المضاهاة هي الدافع النبيل وراء السعي المنظم للفرد إلى التماهي مع الرابطة الكونية ومحاولة الإنغمار الكامل فيها عبر وسائط غير مشخصة فيزيائياً وتتجاوز عتبة معرفتنا الحسية المباشرة إلى فضاء ميتافيزيقي يوصف عادة بالإستنارة الداخلية والكشف الذاتي المدهش. إن واحداً من أهمً ما يسم هذه المعرفة أنها عصية على التنميط prototyping و الضغط في خوارزميات جاهزة بسبب غرائبيتها واختلاف الدافع الباعث على الإنخراط فيها وتلونها بلون التجربة الفردية المضمخة بنكهة غير مفهومة ولا يمكن تمريرها للآخرين من خلال الوسائط اللغوية المتداولة .

العرفان ولاهوت الارتقاء الحداثي
بول ديفيز Paul Davies فيزيائي نظري مرموق على الصعيد العالمي ومعروف باشتغالاته المركبة التي تمتد على طيف واسع من الإهتمامات المميزة للفيزيائيين المرموقين، وقد ألّف الرجل مجموعة رائعة من الكتب وساهم في تحرير بعضها الآخر، وتُعدُّ موضوعة التصميم الذكي Intelligent Design ) ) والمقاربات بين العلم و اللاهوت واحدة من موضوعاته الأثيرة . كتب ديفيز كتاباً رائعاً - هو أحد كتبه العديدة في هذه الموضوعة - بعنوان : (عقل الإله : أساس عقلاني لعالم منطقي) جذبتني في مقدمته الممتعة العبارات الرصينة التالية: ( فمن بين العلماء غير المتدينين بالمعنى التقليدي للكلمة نجد كثيرين يعترفون بشعور غامض بوجود "شيء ما" خلف سطح حقيقة الحياة اليومية - معنىً ما خلف هذا الوجود؛ فثمة احساس طاغ لدى أوساط أكثر العلماء راديكالية يجوز لنا أن نسميه: تبجيل الطبيعة ، افتتان واحترام لجمالها وأغوارها العميقة وحتى حماقاتها، وهذا الشعور مماثل للرهبة والخشوع الديني . العلماء أناس حساسون جداً تجاه هذه الموضوعات، على النقيض من سوء الفهم السائد بين الناس تجاه العلماء والحكم عليهم بأنهم أناس دونما روح، قساة، و باردون . .... )، ويمضي ديفيز في تأكيد فكرته قائلاً : (أنا أنتمي الى جماعة من العلماء الذين لا يشتركون في دين تقليدي، لكنهم في الوقت ذاته ينكرون أن الكون حادثة لا غاية لها، فمن خلال عملي العلمي توصلت إلى أن أعتقد بقوة متزايدة أن الكون الفيزيائي قد دُمِج سوياً بمهارة لاأستطيع قبولها كحقيقة مجردة فحسب، كما ينبغي لي أن أقول بأن ثمة مايوجب وجود تفسير أكثر عمقاً : فإذا أراد المرء أن يسمي ذلك المستوى الأعمق (الله) فذلك مجرد مسألة تعريف وميل شخصي . الأكثر من ذلك أنني توصلت إلى أن العقل - أي الإدراك الواعي للعالم والطبيعة - ليس سمة عرضية ؛ بل جانب أساسي تماماً من جوانب الواقع . أعتقد أننا - نحن البشر - موجودون داخل مخطط الأشياء بطريقة أساسية جداً ... ) . حقاً يكاد المرء يندهش لفرط التهذيب ورقة الروح التي تنطوي عليها هذه العبارات المشعة شبيهة عزف الوتريات الموسيقية في السمفونيات الخالدة رغم أن الرجل يقارب موضوعة غاية في الأهمية و الحساسية : تلك هي الموضوعة التي توصف بالـ ( ربوبية Deism ) والتي ترى أن ثمة عقلاً كونياً قادراً على اجتراح الأعاجيب الكونية في إطار ذلك المخطط العجيب المسمى (التصميم الذكي) الذي يميل اليه الكثير من العلماء المرموقين ولكن بلا أي توجه لمأسسة هذا الاعتقاد وتجسيده في اطار مؤسسات دينية بيروقراطية تميل حتماً إلى فرض نوع من ثيوقراطية (معلنة أو مضمرة)، وسيقود ذلك الاعتقاد حتماً إلى نزع ستار اللاهوت الثيوقراطي المدعم بسلطة كهنوتية عن عقل الانسان، و ستنحل المسألة الإيمانية من معضلة إشكالية - سُفِكت في سبيلها الكثير من الدموع والدماء - لتغدو محض قناعة شخصية تحكمها قواعد فلسفية وجمالية ترمي لرفع منسوب الدهشة المحفزة التي تفضي إلى الارتقاء بنوعية حياة الكائن البشري وغير البشري أيضاً ؛ ومن هنا استحقت تسميتها بجدارة : لاهوت الارتقاء في مقابل اللاهوت الكهنوتي الذي يدور حول شروحات لمواضعات متلاحقة في إطار لعبة غير منتجة.يحيلنا (بول ديفيز) ولاهوته الارتقائي إلى فضاء مدهش من فضاءاتنا الإنسانية النادرة في رصيد تراثنا المثقل عسفاً وسطوة قامعة : ذاك هو الفضاء العرفاني وتوأمه التصوف الجميل اللذان شرعا منذ قرون عديدة في تهشيم صورة اللاهوت الكهنوتي وبث إشعاعات الحرية في علاقة الفرد بالقوة العلوية ؛ لكنما سيف القوة الغاشمة كان أسبق في لجم ذلك البصيص الضئيل من الأمل ، وأحسب أنّ مَنْ يقرأ في كتابات عرفانيينا الأعاظم من المعتزلة الكبار سيجد الكثير من الدعوات إلى اللاهوت الارتقائي سواء في هيئة نثر جميل تخلص من الزوائد المعهودة في البلاغة العربية أو في هيئة قصائد باذخة في إنسانيتها الكونية المقدِّسة للجوهر الفردي وأسبقيّته المتقدمة على أي مواضعات لاهوتية كهنوتية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة
عام

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

د. نادية هناوي جددت المدرسة الانجلو أمريكية في بعض العلوم المعرفية كعلم النفس اللغوي وفيزياء الأدب وعلوم الذكاء الاصطناعي أو أضافت علوما جديدة كانت في الأصل عبارة عن نظريات ذات فرضيات أو اتجاهات كعلوم...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram