|27|
كتب الفرنسي فرانسو مورياك :" هل الحب نوع من الإدمان " ، في الاسطورة الصينية نجد الآلهة " تشانج بو " تقول لمحبوبها ميلان : إني أشتاق إليك ، وفي حكايات الشعر العربي ، يبكي مجنون ليلى وهو يقول : وقالوا لو تشاء سلوت عنها .فقلتُ لهمْ فانِّي
|27|
كتب الفرنسي فرانسو مورياك :" هل الحب نوع من الإدمان " ، في الاسطورة الصينية نجد الآلهة " تشانج بو " تقول لمحبوبها ميلان : إني أشتاق إليك ، وفي حكايات الشعر العربي ، يبكي مجنون ليلى وهو يقول : وقالوا لو تشاء سلوت عنها .
فقلتُ لهمْ فانِّي لا أشَاءُ
الحب الضائع
يخبرنا محقق ديوان " مجنون ليلى " عبد الستار فراج ، إن حب قيس وليلى كان مثل حب الناس جميعاً ..تختلط فيه الطهارة بالرغبة ، والشهوة بالتعفف ، والروح بالجسد ، وعلى عكس ما يعتقد العديد من الباحثين إن حب قيس لليلى ، كان حباً عذرياً ، فإن قيس كان يضم ليلى الى صدره بين الحين والآخر وهو القائل:
ضممتك حتى قلت ناري قد انطفأت
فلم تطف نيراني وزاد وقودها
ويقول في بيت آخر مخاطبا زوجها:
فان كان فيكم بعل ليلى ..فإنني
وذي العرش قد قبلت ليلى ثمانيا
فهل ظلم المؤرخون هذا العاشق حين جعلوه نموذجا للمحب الخائب ، المجنون ، الذي يتعلق بوهم ، ويجن في سبيل شبح امرأة في الوقت الذي ينشد هذه الآبيات :
تمتع بليلى ، إنما أنتَ هامة
من إلهام يدنو كل يوم حمامها
لم يُصب قيس بالجنون ، إنما طغى شعوره على سلطان عقله ، كما يقول طه حسين وإن عاطفته فاضت من القلب فملكت عليه حياته ، لقد دخل أول درجات الوجد .بالمقابل لم تكن ليلى مجرد امرأة .كانت رمزا لكل قصص العشق .ما من شاعر عشق إلا وهتف باسمها ، وما من أحد حلم بامرأة إلا وكانت هي . وهي تشبه " هيلانه " عند اليونان حيث أشعلت الحب والحرب ..ولم يكن لليلى شكل محدد .حين سألوه عنها وصفها بكل ما هو جميل وصعب :
تكاد يدي ، تندى إذا ما لمستها
وينبت في أطرافها الورق النضر
إنها القمر حين الظلام ، والمطر وقت العطش ، والمجنون لايختلف في الحب كثيراً عن عمر بن ربيعة ، كلاهما مولع بالعشق .لكن مدخل كل منهما للمرأة مختلف ، فاذا كان قيس هام بامرأة واحدة ، فان عمر بن ربيعة كانت له مع النساء صولات وجولات .
سأله سليمان بن عبد الملك : ياهذا ما يمنعك عن مدحنا ؟
قال عمر في إيجاز ..اني لا أمدح الرجال ..إنما أمدح النساء
يقول عنه عباس محمود العقاد :" إن العالم بالنسبة لعمر بن ربيعة بغير النساء ليس هو العالم ، بدونهن تصبح الصحراء مصيدة ..وإذا كانت حياة الشعراء تدور بين محورين المال والحب ، فإن المال لم يؤرقه يوماً ، وكانت المرأة هي الجزء المكمل لحياته .. هي الأكثر إحساساً به "
يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت
يتبع صداي صداك بين الأقبر
ومن بين قصص العلاقة مع النساء ، كانت قصة المتنبي التي حيّرت الباحثين فيكتب طه حسين في كتابه " مع المتنبي : " ان خشونته صرفته عن الإقبال الحقيقي على المرأة " . لكن العلامة محمود محمد شاكر يؤكد إنه عرف العشق وإلا ماكتب هذا البيت :
ياوجه داهية لولاك ما
أكل الضنى جسدي وروض الأعظما
فهل عرف المتنبي الحب ؟ وهل كانت المرأة جزءاً من طموحاته. لاشك إن المتنبي مر بأوقات اجتاحه فيها شعور كبير بالحب والحنين الى المرأة ، ونجد أن إحساسه بالحب يتعمق ويقوى في شبابه : وما أنا إلا عاشق "
لكنه في سنين عمره المتقدمة ، يحاول أن يقنعنا بأن الحب وهم يتشبّث به الإنسان العاجز ، وإنه أي المتنبي لديه مناعة ضد العشق ، وإن قلبه لايمكن أن تسيطر عليه امرأة ، فمطامحه وشهواته تنحصر في الحروب والبحث عن الأمجاد :
وما العشق إلا غرة وطماعة
يُعَرّضُ قَلب نَفسَه فَيُصاب
وغير فؤادي للغواني رمية
وغير بناني للرماح ركاب
لكن الشاعر العاشق لايستطيع أن يحجب الحقيقة دوماً ، ففي فترات حياته القصيرة ، عذبه الحب وأضناه ، وهو يعترف إنه بدون المرأة لايستطيع العيش في هذه الدنيا ، فالعشق لذة لايعرفها إلا من جرب الحب :
تَلَذُّ لَهُ المُروءَةُ وَهيَ تُؤذي وَمَن يَعشَق يَلَذُّ لَهُ الغَرامُ كان الشاعر يريد أن يقول إنه بريء من الحب ، ولا يهمه أمر النساء ، لكن العديد من قصائدة تخبرنا إنه قتيل الغرام ، ترديه سهام العيون ، وتحلو له القبل ، ويضنيه قوام المرأة الجميلة :
كم قتل كما قتلت شهيد
ببياض الطلى وورد الخدود
وعيون المها ولا كعيون
فتكت بالمتيم المعمود
ويؤكد الكثير من الدارسين إن المتنبي هاما عشقاً بخولة أخت سيف الدولة الحمداني ،إلا أن طه حسين يحاول أن يفند هذه الحكاية لأنه يعتقد إن شاعرا مثل المتنبي لايمكن أن يغامر بمكانته عند سيف الدولة من أجل امرأة ، لكن محمود شاكر يجزم أن الشاعر أحب خولة، وإن سيف الدولة كان يعلم ذلك بل وأنه قد وعد المتنبي أن يزوجه من أخته يستشهد شاكر بكثير من شعر المتنبي ليثبت ذلك الحب:
كَتَمْتُ حُبّكِ حتى منكِ تكرمَةً
ثمّ اسْتَوَى فيهِ إسراري وإعْلاني
كأنّهُ زادَ حتى فَاضَ عَن جَسَدي
فصارَ سُقْمي بهِ في جِسْمِ كِتماني
ويؤكد محمود شاكر إن قصيدة الرثاء التي كتبها المتنبي بعد سمعه خير موتها :" لم تكن أبيات رثاء وإنما هو كلام قلب محب مفجوع قد تقطعت آماله من الدنيا بموت حبيبته ".ويذهب الدكتور جلال خياط في كتابه الممتع عن المتنبي وحياته الى تأييد هذا الرأي:" لماذا لاتحب أميرة رجلاً مثل المتنبي كان أشعر الناس " ونجد المتنبي يخبرنا بهذه العلاقة وهو يقول :
ولاذكرت جميلاً من صنائعها
إلا بكيت ولا ود بلا سبب .
واذا لم يكن المتنبي عاشقا لخولة ، فمن أين له هذا الرأي ، بان أحلى الحب ما صاحبه شك ، فيحيا المحب بين الرجاء والإتقاء ، أي أن يعيش حبه حقاً ، فلا يموت بهجر ونسيان:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه
وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
وهذا ما يفسره أحد شراح ديوان المتنبي " أبو الحسن بن محمد الواحدي " بانه " كتم الحب إكراما للمحبوب لأنه رجل شهم "
ولهذا يؤكد الواحدي أن عاطفة الحب والعشق لدى المتنبي ظهرت بشكل قوي خلال وجوده في الدولة الحمدانية، فأبيات العشق والحب في قصائده لم تكن حاضرة بكثرة قبل التحاقه ببلاط سيف الدولة وتواصلت تلك العاطفة بألم الفراق والشوق بعد مغادرته بلاط سيف الدولة، ويظهر في مقدمات قصائده وجود حب متوقد في قلب المتنبي :
لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي
وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي
وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَه
وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ
يكتب جاك ماريون في كتابه ظاهرة الحب ان الرفض في الحب يغرق العاشق في أعقد وأعمق أوجاع الاضطراب العاطفي مما يمكن أن يمر به الإنسان .
**********
جنون الهجران
كانت في الثامنة والعشرين من عمرها ، شقراء نحيلة جداً بسبب إصابتها بمرض السل ، تزوجت من معلم طُرد من عمله بسبب إدمانه على الكحول ، سوف يتعرّف هذا الرجل العاطل ، على جندي شاب كان يعاني آنذاك من مرض الصرع ، كان فيدور دستويفسكي قد تم نفيه الى هذه البلدة " سيمبالاتنسك " بعد أن أطلق سراحه بعفو من القيصر حيث إتّهم بمحاولة القيام بثورة مع مجموعة من الشباب ، ومنذ أن وصل دستويفسكي الى هذه البلدة حتى ألحق بفوج عسكري .
منذ اللقاء الاول بين المعلم العاطل والجندي الخارج من عذاب السجن ، كان هناك رابط خفي ربط بين الاثنين ، فقد عطف كل منهما على الآخر ، ويصطحب المعلم ذات يوم دستويفيسكي الى بيته وهناك يتعرف على زوجته " ماري دمتريفنا " ، وسرعان ما عقدت صداقة بين الزوجة المريضة والجندي دستويفسكي ، وها هو للمرة الاولى يجد امرأة تصغي إليه بانتباه ، والمرة الأولى التي تتعاطف معه امرأة بهذا الشكل ، كان كلا الاثنين يعاني من الوحدة ومصاعب الحياة ، وكانت أحلامهم قد تبددت بسبب قسوة الحياة ، وكثيراً ما كان يفكر دستويفيسكي بعلاقته بماريا ، يكتب الى شقيقه :" آه لو كنت حراً ..آه لو كانت حرة " ، ومع مرور الأيام تبدأ قصة الحب بينهما تتوطد ، وكان دستويفيسكي يكثر من زياراته لبيت صديقه المعلم وكان يعود من هذه الزيارات وهو يشعر بنوع من النشوة والسعادة ، فهو يجرب الحب للمرة الاولى ، فقبل لقائه بماريا كان لامباليا حيال النساء ونراه يكتب الى شقيقه يصف ماريا : تعرفت على سيدة مليحة ومثقفة جدا ، وذكية للغاية وطيبة ورقيقة وأنيقة بقلب رائع كبير " . وفي رسالة أخرى يكتب الى صديقه " الكسندر فرانغيل " معترفاً : "نعم .. أحبها بكل ما في قلبي من عنفوان العشق .ولكن لا أجسر على أن أخبرها بذلك ، حتى لو قالت لي أحبك يافيدور لصرخت فيها إنك متزوجة ، ولكن ليس ما كنت سأقوله لها نابع من قلبي أبداً !! إنما ما أعانيه هو إنني أخاف من الاقتراب أكثر منها ، فماذا أفعل يا صديقي " .ونراه يكتب في يومياته :" هل ماريا تحبني حقاً أم أن خيالي هيّأ لي ذلك ، فجعل منها وكأنها تجن بحبي ، وكم تمنيت أن تترك زوجها ، وتأتيني تحت ثلوج سيبيريا لتطرق بابي قائلة : لقد تخلصنا منه يافيدور" .
وتشاء الأقدار أن يحصل الزوج على وظيفة في بلدة تقع على بعد 700 كيلومتر عن " سيمبالاتنسك " وأخبِرت ماريا بقرارها السفر مع زوجها ونجده يكتب الى شقيقه :" لقد وافقت وقبلت ولم تحتج أو تعترض ، وهذا هو الأمر المثير والمزعج في الموضوع " .
ونجد دستويفيسكي يفقد كل حماسة للعمل ،تنتابه حالات من الحزن والضجر ، وهو يسمع الأخبار التي تأتيه من محبوبته ماريا ، فهي أيضا تشكو وحدتها ، ومن إدمان زوجها على الخمر ، وتزداد الرسائل بينهما ، وكان دستويفيسكي لايعيش إلا في انتظار ساعي البريد ، وأخذت نوبات الصراع تزداد عنده ، وبتاريخ 14 آب يتلقى رسالة من ماريا لقد مات زوجها ، وأخيراً أصبحت حرة وسوف يتمكن من الإرتباط بها ، وبعد بضعة أسابيع يكتب لشقيقه : " عن بعد تبادلنا الأعترافات والأمنيات والعهود والمواثيق ، إنها تحبني " والحقيقة إن ماريا كانت حائرة ، فهي تعاني العوز والمرض وفي هذه الأثناء يتقدم رجل لخطبتها تكتب لدستويفيسكي : ما العمل ، تقدم رجل يتصف بمزايا حسنة ، ويشغل وظيفة ثابتة ومضمونة ، وطلب مني أن أتزوجه ؟ فماذا أجيبه ؟
ويرد عليها برسالة يعترف فيها للمرة الاولى بحبه :" سأموت اذا فقدتك ياملاكي ، أو إني سأصبح مجنوناً ، أو سألقي بنفسي في النهر ، فأنا لي حقوق عليك ، بحق السماء أتفهمين".
لكنها بعد أشهر تخبره إنها ستتزوج من هذا الرجل ، فهي الآن في التاسعة والعشرين وتحتاج الى من يقف الى جانبها في الحياة ، ويعترف في رسالة الى شقيقه انه خسر الرهان ، وان كل شيء في طريقه للضياع ، ويقرر أن يصبح صديقاً لها يرعاها ويهتم بإبنها :" كل هذا من أجلها هي ، من أجل أن لاتظل تعاني من البؤس والشقاء ، وهذا التعاطف الذي يبديه دستويفيسكي لماريا سيجعل منه الموضوع الرئيس لروايته " مذلون مهانون "
تقول بطلة الرواية :" لقد خنتك ، فغفرت لي كل شيء ، ولم تعد تفكر إلا بسعادتي " .
ونجد صدى لحكاية عشقه اليائس في رواية الأبله ، فالامير موشكين بطل الرواية على الرغم من حبه الشديد لنستاسيا ، يدعها تهرب مع الرجل الذي اختارته .
لكن بعد شهور وفي لحظة يأس يعيشها ينتبه لطرقات على بابه وما أن يهم بفتح الباب حتى يجد ماريا ترتمي بحضنه ، لقد تركها الرجل الذي قررت أن تتزوجه ولم تجد أمامها غير دستويفيسكي : " إنك قديس يافيدور . انا لاأستحقك .ولم أحب أحداً سواك .
فاستعاد دستوفيسكي الأمل وقرر الزواج منها فوراً ، وتبدأ ماريا رحلة صعبة مع الرجل العبقري الذي تنتابه حالات صرع ويعاني من مطاردة الدائنين ومن الهوس بلعب القمار ، لكنها رغم ذلك تكتب الى شقيقتها :" لست محبوبة ومدللة وحسب من قبل زوجي الطيب جدا والذكي جدا ، بل أني محترمة جدا من قبل ذويه ومعارفه .
كان دستويفيسكي يخبر شقيقه بأنه يخشى هذا النوع من الحب ، وفي الشهر الاول من الزواج سقط على الارض فجأة وانتابته نوبة من نوبات داء الصرع .وبسبب حالة البؤس والفقر والديون التي تلاحقهما عاشت ماريا تعاني من الخوف والمرض الذي بدا ينهكها ، الى أن قضى عليها مرض السل ليجد دستويفيسكي نفسه من جديد وحيداً يكتب الى شقيقه : يبدو إنني على خصام مع الحب ، فها هو يغدر بي ويتركتي أعاني الوحدة والمرض "
*********
يأس الحب
اقترب منها معلمها ليخبرها أن هناك كاتباً بحاجة الى مساعدة موظفة اختزال ، من هو هذا الكاتب؟ سألت الشابة آنا جريجوريفنا ، أجاب الأستاذ إنه فيدور دستويفسكي . لم تصدق أول الأمر إن الاسم الذي يقصده الاستاذ هو نفسه كاتبها المفضل الذي طالما ذرفت الدموع وهي تعيد قراءة "ذكريات من منزل الأموات" ، وأنها كانت مغرمة بـ " فرنكا " بطلة قصته الأولى "الفقراء" ، فهي مثلها تكتب رسائل لشخص مجهول تخبره إن حياتها تغيرت منذ أن توفي والدها، لتبدأ الخطوة الأولى لها في مسيرة الفقر ومخاطره وهمومه !
وفي صبيحة اليوم التالي استيقظت أنّا جريجوريفنا على غير عادتها نشطة ، كانت تنتظر هذا اليوم منذ شهور، أن تتحول من طالبة صغيرة الى موظفة ، غادرت البيت مبكراً ، كان لابد أن تمر على منزل صديقتها ايميليا لتخبرها إنها ستضع أولى خطواتها على سلّم الحياة ، ولتغيضها أيضا فهي ستلتقي وجها لوجه مع فيدور دستويفسكي الذي طالما تبادلت مع ايميليا كتبه .
في الساعة الحادية عشرة كانت تقف أمام الشقة 13 الواقعة في شارع بولشايا . ذكرتها البناية بأحداث رواية "الجريمة والعقاب" التي كانت قد أتمت قراءتها قبل مدة ، تتلفت حولها ، ربما في واحدة من هذه الشقق سكنت ذات يوم العجوز "اليونا" القاسية الأنانية التي ظهرت فجأة في طريق راسكولينكوف الذي شعر أمامها في لحظة أنها عقبة تقف في طريقه :" لم تكن العجوز إلا وعكة أردت أن أتخطاها مسرعاً قدر الإمكان ، أنا لم أقتل العجوز ، بل قتلت مبدأ".
تتذكر أنا جريجوريفنا إن والدها أعطاها يوماً مجلة الرسول الروسي ،وفيها قرأت تلخيصاً قدمه دستويفسكي لروايته الشهيرة هذه، حين كتب ردا على تساؤلات القراء عن مغزى الجريمة قائلا :" هذه الرواية انما هي عرض سيكولوجي لجريمة ... والحدث يدور في زمننا الراهن ، أي في هذه السنة بالذات. أما صاحب الحدث فهو شاب طالب في الجامعة من أصول بورجوازية لكنه يعيش في فقر مدقع، لذلك يقرر ،تحت تأثير بعض الأفكار الغريبة التي نراها رائجة هذه الأيام، أن يخرج بضربة واحدة من وضعه المزري : لقد قرر أن يقتل امرأة عجوزً، هي أرملة لمستشار وتعمل اليوم في الربا . والشاب ينطلق في مشروعه من تساؤلات لا ينفك يطرحها على نفسه :"ما فائدة هذه المرأة؟ لماذا تراها تعيش؟ هل تنفع أحداً في عيشها؟ وهو يؤمن أن في مقتل العجوز خلاص له وأداء واجب تجاه إخوته في الإنسانية ، لقد شعر وهو يفك الساطور من الإبزيم بأنه لم تعد لديه لحظة يضيعها "
أخيراً انتبهت آنا جريجوريفنا على صوت امرأة عجوز تقول لها : تفضلي ماذا تريدين ؟
للحظة تصورت انها تقف أمام عجوز "الجريمة والعقاب" بشالها الأخضر وعينيها الماكرتين ، وقبل أن تعيد الخادمة عليها السؤال أجابت بنبرة مترددة : "انا قادمة من طرف السيد أولخين وان صاحب المنزل على علم بموعدي معه ."
دعتها الخادمة للدخول ، وبعد دقيقتين ظهر أمامها كاتبها المفضل الذي لم يترك لها فرصة أن تأخذ نفسها حيث سألها مباشرة : " هل أنتِ بارعة بالاختزال؟ وقبل أن تجيب طرح عليها سؤالاً آخر : منذ متى وأنتِ تعملين بهذه المهنة ؟ لكنه أخيراً تنبه الى أنها لم تجلس فطلب منها أن تدخل معه غرفة مكتبه، وقال للخادمة : "أحضري لنا الشاي
*********
ادمان الحب
- كم أنجزنا من الصفحات؟ سألها دستويفسكي ذات يوم.
كان العمل قد انتظم برواية "المقامر" ، واخذ دستويفيسكي يطمئن بأن الرواية ستسلم في موعدها المحدد ، كان يشعر بمتعة غريبة وهو يعمل الى جانب هذه الفتاة الشابة ، التي ستكون يوما بطلة قصة حياته الحقيقية ، كان يملي عليها قصة غرام ألكسي ايفانوفيتش بالشابة الجميلة بولين سوسولوفا ، فتاة بالغة العذوبة يقع في غرامها رجل مقامر، يضيف الى بطلة الرواية بعضاً من ملامح آنا جريجوريفنا ، كانت هي تصغي إليه وتحاول أن تتخيل بطل الرواية يقع في غرامها إنه يقول لها :"في حضورك أفقد كل كرامتي" وحين يصل دستوفيسكي الى السطور التي يقول فيها ايفانوفيتش : "ضممتها بين ذراعي ، قبلت يديها وقدميها ، وجثوت على ركبتي أمامها". تكتب آنا جريجوريفنا في مذكراتها :"بعد أشهر وجدت دستويفيسكي وهو يعيد مشهد المعلم أليكسي ايفانوفيتش ، وقع عند قدمي مقبلا ، ضاماً إليه ركبتي وهو ينتحب بصوت عال ، لا أتخيل أن بمقدوري أن أفقدك."
بتاريخ 30 تشرين الاول عام 1866 ، وبعد خمسة وعشرين يوما من العمل المتواصل ، أصبحت "المقامر" جاهزة للطبع ، وفي اليوم الأول من تشرين الثاني وحسب الموعد المحدد ذهب دستويفسكي لمقابلة ستيلوفسكي وتسليمه مخطوطة الرواية.
كان قد اعتاد على فتاة الاختزال والتي أصبحت تناقشه بشؤون أبطال رواياته بحماسة ، كانت فكرة فراقها تؤرقه وسألها ذات يوم :"ضعي نفسك مكان بطلة قصة المقامر لدقيقة واحدة وافترضي أن إيفانوفيتش هو أنا وأني أبوح لك بحبي ، وأني أطلب منك أن تكوني زوجتي قولي بماذا يمكن أن تجيبي؟"
كان منزعجاً من جرأته وخائفاً أن تفسد كلماته هذه الصداقة اللطيفة، ولم يكن يتوقع أن موظفة الاختزال ستنظر الى عينيه بهدوء ثم تقول له بكل بساطة : "سأجيبك بأني أحبك وأني سأظل أحبك طوال حياتي
نظر إليها دستويفسكي غير مصدق ، ثم عانقعها بعنف وهما يقفان وسط الشقة ويكتب في يومياته :" كانت كلماتها مثل روح بعثت في لحظة قدسية من جحيم مأساة أو موت " .
********
لكي يدوم الحب
كان ديستويفسكي يشعر بأن القراء خذلوه في رواية "المقامر" ، والمبلغ الذي حصل عليه من الناشر تقلص كثيرا بسبب الديون المتراكمة ، ولاحظ إن زوجته حامل، وقرر إن المولود سيكون بنتا وانه سيسميها "ايمي" ، وأخفى عن آنا جريجوريفنا رواية "الحرب والسلام" التي صدرت حديثا ، لان تولستوي يروي فيها احتضار الاميرة بولكونسكي اثناء الولادة.
الامير ميشكين المصاب بالصرع يعود من عيادة في سويسرا حيث يعالج من مرض الصرع ، وهو يتيم ولايملك شيئا سوى صرة ملابس هزيلة ، ولايعرف شيئاً من أمور الحياة، وقد قال له الطبيب : لقد حصلت لدي قناعة تامة بأنك طفل حقيقي" ، هذا الطفل الذي بلغ السادسة والعشرين من العمر مهذب خجول طيب القلب وساذج ، وقد انقضت حياته في تأملات داخلية ، وعندما صدرت "الأبله" أربك بطلها النقاد وحيّرهم، يقول تورجنيف لأحد النقاد :"يا إلهي ما الذي لم يقله السيد دستويفسكي في هذه الرواية التي هي في الحقيقة اشبه بكتاب اعترافات ؟"
في "الأبله" يستعير دستويفيسكي حياته أكثر من أي رواية أخرى له، ويروي فيها على لسان بطله كيف وقف على منصة مرتفعة وهو في الثامنة والعشرين واعتقد انه بقيت له من الحياة ثلاث دقائق لا أكثرولم يكن يتوقع ان سيقع في يوم من الايام بحب امرأة .