TOP

جريدة المدى > عام > لا تضعوا حداً لما لا حدود له

لا تضعوا حداً لما لا حدود له

نشر في: 10 ديسمبر, 2017: 12:01 ص

حين نستقل بأنفسنا، بفكرنا نحن وتأملاتنا نحن، ننتبه الى ما يستوجب إعادة التفكير فيه. المسائل والأفكار ليست كما استقرت في اذهاننا. من هذه أننا في كل الأزمنة والى يومنا، ما استطعنا ان نمتلك عقلاً لا يمازجهُ وهمٌ أو معتقد قديم أو توجه اسطوري. حتى العلماء

حين نستقل بأنفسنا، بفكرنا نحن وتأملاتنا نحن، ننتبه الى ما يستوجب إعادة التفكير فيه. المسائل والأفكار ليست كما استقرت في اذهاننا. من هذه أننا في كل الأزمنة والى يومنا، ما استطعنا ان نمتلك عقلاً لا يمازجهُ وهمٌ أو معتقد قديم أو توجه اسطوري. حتى العلماء الماديين الموضوعيين جداً، نجد بعضهم لا ينفصل تماماً عن الغيب أو لا تخالطه إيمانات موروثة. وإذ تنفصل العلوم والتقنيات والفنون بعضها عن بعض ظاهرياً، هي لا تنفصل دائماً ولا تماماً. كثيراً ما نجدها في لقاء، في أُلفة او في تكامل.
وفي تأمل إرثنا المعرفي لن نجد علماً أو تكنولوجيا. نرى استمداد العديد من التجريبات العلمية من الغيبيات والاساطير حتى من الموغلة في القِدم، فهي لا تصدر عن عقل علمي واختيار حر. والثقافات البدائية ما كانت تفرق بين الواقع والخارق للطبيعة. والخوارق كانت عندهم من فعل الارواح. وحتى اعمالهم"التقنية"والتي تنجزها حركات أيديهم مثل بناء منزل أو صنع قارب وانزاله للماء، فأعمالٌ كهذه تصحبها شعائر دينية أو سحرية. فحين يبني داراً يؤدي أو يكون قد أدى طقساً ليفوز بالرضا الإلهي عن العمل وليعينه على أكماله. كما ان الايغال في الزخرفة لانتاج ما ينجزه لا علاقة له بالكفاءة المادية. في عصرنا المسألة تختلف، هنا هي للترويج. ولكن ماذا نقول في صنع"تميمة"وتُزخرَف وتحفظ بجلد وقد ينقش عليها بالذهب؟ هو طلب عون بما مدون وعون اضافي بما منقوش.. ومعنى هذا أيضاً ان اشباع حاجات الإنسان الاساسية ما كان معزولاً عن الارضاء الجمالي، بل كانا معاً. وهل ما يعبر عن الارتباط العقلاني بالسحر أكثر مما نجده في قول هسيود، والذي أورده توماس مونرو في تطور الفنون، وهو الذي نبهني الى علاقة السحر بالفنون وأفادني فأنا أكتب عنه :
"فلنبتهل الى زيوس إله الأرض، وديميتر ربة الزراعة، النقية ان تصبح بذرة ديميتر المقدسة وافرة.
هكذا أدعُ حين تقبض بيدك على مقبض المحراث وأنت ترخيه ليعلق بظهر الثور وهو يجر العمود المشدود الى رأسه. وأجعل عبداً شاباً يتبعك ومعهُ فأسهُ.
وأبعد الطيور بتغطية البذور. وأن أنت حرثت متأخراً، فلتكن هذه تعويذة لك:
حين يطلق الوقواق صيحاته بين أوراق البلوط ويبهج الناس، فسلْ زيوس أن يسقط المطر في اليوم الثالث وأن لا يغفل عنا ولا يقصِّر..."
وكل طقوس الاديان والعقائد تعتمد تقنيات حركة الايدي والرؤوس والوقوف والانحناء ورفع اليدين.. وحتى اليوم تُعتمَد الآلهة والأولياء في الحرب ومع احدث الأسلحة! وأن الآلهة تشعل النيران في بساتين الأعداء ومدائنهم. وتكافئ الآلهة بالقرابين لما أحدثته من مجازر في صفوف الأعداء، ونحن نعلم من اشعل النيران..
حاجة الإنسان للإيمان بالقوة الاعجازية ما انقطعت ولا أظنها تنقطع يوماً. فمثلما يزداد بعض الناس مروقاً وبعداً عن الروح أو الأرواح، بعضهم الآخر يزداد إيماناً وغالب الناس يجمعون الاثنين. فنحن ندعو الله لتحقيق النصر لدينه أو لمعبده، او لمصالحنا، تتحقق بوسائل مادية : أسلحة وآليات وحركات تقنية. من قبل كانت الوسائل عصياً وسهاماً. نستعمل اليوم الطاقة ومن قبل كانوا يفيدون من اشعال النيران التي توقدها أيديهم. وكم من اخطائنا وخسائرنا ومن الاحداث المؤلمة لنا، نعزوها الى أثم اقترفناه أو تقصير بحق أحد أو لعدم ارضاء الله. وحتى الآن الشيخ فلان أو الراهب فلان هو الذي يُجبر الذراع المكسورة وأحياناً يباركها لتشفى وهي واحدة فالتة من أدوات التركيب التقني الجسدي. لها تركيب وفعل تكنولوجي آلي وتحتاج الى مهارات تقنية حرفية تعيدها. فهم يلوون المفصل ليعيدوه مكانه من الجهاز – او الجسد. وأولاء الذين يعملون ببركاتهم ومهاراتهم معاً يطردون مع الفعل التقني الارواح الشريرة من اجزاء الجسم المعطوبة او المتضررة او المصابة بجرثومة. ولعل الجراثيم هي الارواح الشريرة ولكن كيف يطردها الكلام؟ وما سر هذا الكلام الغامض الذي بعضه مسموع وبعضه همس لا يسمع؟ وكيف هم يجالسوننا في البيت والمقهى ومع ذلك لهم تواصل مع الجن ولهم الحظوة بين الملائكة؟ ونحن نعرف ايضاً كم تحكمت الطوطمية بتقنيات العمل في افريقيا؟ وما نزال نحن نذبح دجاجة أو خروفاً لنقي السيارة الجديدة من الاصطدام أو العطل ونحن نعلم ان السيارة مجموعة آلات وأدوات وأنها جهاز تكنولوجي نعرف تفاصيله كما نعرف كيف تعمل السيارة ونعرف ايضاً امكنة صنعها ومصدِّرها ومستوردها. لست ضد او مع ما سلف ولكني أعرض اختلاط السحر بالعلم والوهم بالتقني.
انتبهت لنفسي وأنا اختار لفظة بديلاً عن أخرى، أني أبحث للعبارة عن سحر أكثر. المسألة في الشعر ليست معجمية ولكنه النظر لفعل الموسيقى في الكلمة. والحروف والاشكال الهندسية والدوائر والمثلثات والمربعات والخطوط والارقام (رياضيات) لها قوى لجلب السحر فنصنع منها تمائم وطلاسم. واذا كان الفعل لاسماء الله او الاولياء فما جدوى هذه الاشكال الهندسية والحروف والارقام؟ هنا تتداخل الهندسة واللغة والرياضيات مجتمعةً في قماشة أو محفظة صغيرة من جلد..
هل تسحبنا أمور مثل هذه الى أن الشعر ونحن نختار كلماته وصياغاته، هو أيضاً عمل سحري مخدِّر بموسيقى الكلمات او بالايحاء وأننا نؤسس فيه خيالات وعالماً حلمياً ضمن عالمنا؟ والشعر في حال كهذه"مادة"وسيط بين الواقعي والسحري. والقول"ان من البيان لسحرا"يتجاوز التأثير البلاغي الموسيقي الى السحر، الى ما هو ابعد من التعبير عن العواطف. فهل يقع التعزيم قريباً من هذا؟
والآن اسمحوا لي بتساؤل آخر: هل يمكن لنا معايشة تجربة على المسرح إذا لم نتقمص شخصية البطل ويتصل بعض من خبرتنا في الحال المعروض علينا؟ هل هي عملية سحر أيضاً، هل هي جذب وتماهٍ و إن كانت محدودة ولزمن؟
في ضوء ما تقدم، نسأل : ما هو الشاعر إذا لم يكن مخلصاً لتجربته هو، حاضرةً كانت هذه التجربة أو متذكَّرة وبلا اتصال بالباطن أو بالماوراء؟
وهل كل اللوحات والروايات، التي هي نتاج تلك التطبيقات أيضاً وتطلق ذلك النوع من السحر والذي به وحده يصبح العمل الكتابي - الآلي فناً؟
نحن الآن في حال من يطلب من العالم عوناً ليهبه حلولاً، وضوحاً ليرى. لكني اسعف نفسي بأننا لا ندري متى وكيف نشأت الحياة وما مر بالإنسان وكيف تكاملت معارفه وعقله وماذا احاطته من قوى. وكم هو تأثير بقيا انتباهات الفطرة ورؤية الفجر الاول للعالم وانكشاف الكون لعقل بكر في تلك العوالم المجهولة. حضور الإنسان في الكون ما يزال مجهولاً ومحاطاً بالاسرار. والا كيف نفسر الانتباهات العبقرية الاولى؟ اقرب من هذا كيف نفسر"الابداعات الكبيرة والقيمة لليونان والرومان ثم العديد من الدول الاوربية، حتى قبل ان تقطع هذه الدول شوطاً بعيداً في تكوين الامبراطوريات؟"وكيف نفسر الرمزيات بعيدة المدى في النصوص الشعرية القديمة وقبلها في رسوم الكهوف؟ وما هي هذه الثروات المختزَنة في التاريخ البشري والتي تأخذ بمخيلة الانسان الى ما بعد الواقع؟
هي ليست سذاجة ولا بدائية. نحن نرى أبعاداً رمزية هذا ما يقوله المعجم في تفسير الميتافيزيقيا"هو نظام للتفسير يفوق ما يتسم به الفكر العادي من صنوف القصور وعدم الدقة.."فهل هو اقرار بأن هناك ما لا نلمّ به وما لا نستطيع له تفسيراً؟ التجريب ليس كافياً والعلم ليس كافياً ولكنهما معاً وراء سرعة التقدم الحاصل للحضارة الإنسانية. هذا التقدم الجدير بالتعظيم يقول لنا أيضاً أن هناك أسراراً في مراحل قبل الحضارة جديرة بالهيبة! لا اتحدث عن الحقائق المطلقة اتحدث عن القوى الخلاقة للإنسان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الفياض: الحديث بالخفاء ضد الحشد "خيانة"

العراق يعلن انحسار الإصابات بالحمى القلاعية

موجة باردة تجتاح أجواء العراق

بينهم عراقيون.. فرار 5 دواعش من مخيم الهول

هزة أرضية ثانية تضرب واسط

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد:أريش فولفغانغ كورنغولد

صورة سيفو في مرآة الوهايبي

"مُخْتَارَات": <اَلْعِمَارَةُ عِنْدَ "اَلْآخَرِ": تَصْمِيمًا وَتَعْبِيرًا > "لِوِيسْ بَاراغَانْ"

"حماس بوينس آيرس" أول مجموعة شعرية لبورخس

علي عيسى.. قناص اللحظات الإبداعية الهاربة

مقالات ذات صلة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت
عام

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

أدار الحوار: مارسيلو غلايسر* ترجمة: لطفية الدليمي ما حدودُ قدرتنا المتاحة على فهم العالم؟ هل أنّ أحلامنا ببلوغ معرفة كاملة للواقع تُعدُّ واقعية أمّ أنّ هناك حدوداً قصوى نهائية لما يمكننا بلوغه؟ يتخيّلُ مؤلّف...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram