TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > التائه والخائف

التائه والخائف

نشر في: 4 نوفمبر, 2012: 08:00 م

بدءا من منتصف القرن العشرين دخل العرب عصر الثورة. سقطت نظم ملكية في مصر وتونس والعراق وليبيا واليمن الشمالي. وهيمنت فكرة الثورة على العالم العربي، بما في ذلك بلدانه التي لم تنشب فيها ثورات أو تقع فيها انقلابات. فقد كان للفكرة أنصار في كل البلاد العربية، الهائجة أو الهادئة.
 البشرية فئة الصوت العالي وجدت فيها العلاج السحري لكل الآفات. والعلاج الشافي لكل شيء خرافة. وكانت "الثورة" أكبر خرافة في تاريخ العرب الحديث. ورغم أن مروجيها وأبطالها حملوا رايات العصر، وتبنوا بعضا من افكاره السياسية، فقد كانوا أكثر الناس بعدا عن التفكير العلمي أو العقلاني. ولم يكن العصر نفسه خاليا من خرافات كبيرة، وفي صدارتها النازية التي أشعلت أعظم حرب شهدها التاريخ.
كانت النتيجة الوحيدة التي وصلت اليها بلدان "الثورة العربية"هي فقدان البوصلة، هي الضياع. وسيبلغ الضياع أوجه مع "الموت السياسي" الذي ترجمته مشاريع الجمهوريات الوراثية في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن. وجاء "الربيع العربي" ليعيد الحياة الى السياسة. وكان اهم ما في هذه العودة هو اكتشاف الضياع. فالضياع لم يكتشف على حقيقته إلا بعد "الربيع العربي". ضياع الأمم او البلدان يعني فقدان شعوبها لهدف كبير، جامع ومشترك. والهدف الكبير في الضياع الكبير هو بناء نظام سياسي يسلِّم الشعب بشرعيته.
وبدلا من البحث عن طريق يقود الى مثل هذه الشرعية، دخل سجناء الأمس وأحرار اليوم في صراعات حامية بين بعضهم بعضا على الفوز بالسلطة. بدأوا الصراع على الكعكة قبل أن تُطبخ الكعكة. والطبخة هي انجاز مرحلة الانتقال الى الديمقراطية. وهي مرحلة شاقة وطويلة. قفزوا عليها وكأنهم انجزوها ثم شرعوا في التصارع والتنافس على السلطة كما لو أنهم في الديمقراطية. اشتغلوا بأهم آليات الديمقراطية، وهي الاقتراع، قبل ان يمشوا في مرحلة الانتقال، ويهيئوا مقومات الديمقراطية، من منظومات أمنية واقتصادية وإعلامية. وبذلك ضلوا الطريق وأضاعوا الهدف.
هذه الحقيقة تكاد أن تكون أكبر كشوفات "الربيع العربي". هذه هي لحظة مصر كما هي لحظة العراق وليبيا وتونس واليمن وسوريا، وبقية الجمهوريات، رغم التفاوتات في درجات الصراع والتعقيد. لحظة فقدان القدرة على بناء نظام سياسي يتمتع بالشرعية الوطنية أو الشعبية. وكلما رجحت كفة التفكير الخرافي في احدى هذه الجهوريات كلما ازدادت أوضاعها عسرا وعنفا. ولعل سوريا والعراق هما أصعب هذه البلدان لشدة صراعاتهما الطائفية والاثنية، وامتداداتها الإقليمية.
الملكيات والامارات العربية، مهما كانت مساوئها ومشاكلها، لم تدخل المتاهة. لم تفقد القيادة الشرعية. قد يفرض التاريخ عليها، وربما في مستقبل غير بعيد، مهمة التحول الى ملكيات وامارات دستورية. هذا هو افقها. ولكن ليست لديها مشكلة شرعية. ومقاييس الشرعية عديدة، منها الوحدة الوطنية، والاستقرار، والاقتصاد بما فيه مستويات المعيشة، والتطور التدريجي.
لكن الملكيات المستقرة نسبيا قد تسهم، بمعية غريمتها ايران التائهة هي الأخرى، في تكريس المزيد من "الضياع الجمهوري"، بدخولهما في صراعاته السياسية، خاصة دعم "الاخوان" و"السلفية" والاسلاميين الشيعة حيثما وجدوا. ان تصدر الأحزاب الاسلامية "ساحات التحرير" الجمهورية يعرقل أو يبطىء التحولات الديمقراطية. وقد تجد الملكيات، ومعها ايران، في هذا البطء مصلحة تتمثل بتأجيل مواجهة استحقاق التاريخ القاضي بتحولها الى أنظمة دستورية وديمقراطية. الخائف يجور على التائه. ولعل هذا "العبث الملكي" أكبر أعوان "الضياع الجمهوري".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram