TOP

جريدة المدى > عام > براكماتيا ما بعد الحداثة الأدبية

براكماتيا ما بعد الحداثة الأدبية

نشر في: 4 ديسمبر, 2017: 12:01 ص

إذا كانت مرحلة الحداثة بأقوى زلازلها قد أحدثت إنقلاباً حيوياً على الميتافيزيقيا، وأتاحت للواقع أن يكون قبالة الفن بثبات، وبنفس الوقت قد ردمت الحداثة تراكمات ما قبلها من الفكر غير الرادكالي، وملّكت من جهة أخرى الحضارة أدوات البناء البديل، وأسهمت في أن يأتي القرن العشرين بروح فن جديد، قد يكون بنسب متفاوتة أحدث تغيراً جذرياً، لكن عبر تفهمه لقيم الماضي، كما انه – سياقيا - قد أتاح للصفة المنعرجية،

في التزام سياق لا محدد، ويمكنه الربط بين الماضي واللحظة الحاضرة ، وقد برعت الحداثة في مسارها المنعرجي، وكانت الحداثة إبان القرن العشرين قد أبدت فناً خالصاً في التزامه القيمي من جهة، ومن جهة أخرى في التزامه المنهجي، لكن عيب الحداثة تفاوت حدود المثابرة المنهجية، أو قيام منهج جديد على إثر منهج صار أقل تلائما وتقبلا، وهذا كمؤشر أثر في قيمة وتاريخ الحداثة نفسها .
لقد قسّم المهتمون الحداثة الى أطوار، فكانت هناك الحداثة الأولية في البدء وتلتها الحداثة البدائية، ومن ثم تلتها حداثة أخرى سميت الحداثة الجديدة، والتي تعتبر قد تميزت كقيمة كبرى في القرن العشرين بعد صيرورتها وتبلورها في القرن التاسع عشر، فكان ازدهارها المثمر لايقف عند نوع معين، وكان للأدب حصته في الازدهار والتقدم الحثيث، وبروز معالم أدبية نمت حتى بلغت أن تكون قيماً كبرى، وكان لجدة الحداثة التأثير في صيرورة تجاهات أدبية جديدة، وكان هناك منها تجاهات بحساسية عالية مثل الدادائية، وأخرى أقل حدة مثل تيار الوعي، فكانت المعالم الأدبية الجديدة اشبه بثورة واكبت ثورة علم النفس على يد فرويد، لكنها سعت الى حرية نسبية مستدامة .
سعت الحداثة لمواكبة حركة الزمن، وقد تنوعت ايقاعات تلك المواكبة، ويتباين النشاط المتلازم فيه السعي الشعوري بالمعنى الذي يعكسه مصطح الحداثة، لكن ذلك النشاط التفكيري بقي متأخراً على الدوام من اللحاق بوحدة الزمن الفائقة الحركة، ولكن لم يتعطل الشعر أو يقف عند حد ما، بل برز نمط شعري جديد أثر أيما تأثير في بنية الشعر، وخلق تحولات كبرى في الكتابة الشعرية، وقد أسهم النثر في دعم سمة الحداثة الجديدة، برغم معارضة النسق القديم للحداثة، وبشكل حاد بيرقراطي النفس كان، ورغم التحفظات غير المقبولة من قبل بعض كتاب النسق القديم، والمزاعم الراديكالية غير الراضية بأيقاع العصر الجديد للحداثة، كان للحداثة الجديدة موقعها المهم والمعتبر، واندفعت القيم الأبداعية بالتدفق الحيوي السريع، وتمركز الخطاب الأدبي في حيزه الملائم في لحظته الآنية ومستقبليته .
لقد عدًّ لوكاش الحداثة من جهة قيمة جمالية بإطار برجوازي، لكن كرترود شتاين قد اعتبرت بوجه عام الحداثة هي خير توصيف للقرن العشرين، فيما اعتبرت اراء أخرى إن الحداثة هي ضرورة ملحة في تطوير تراثها الأدبي والفني، وهناك نظرة معاكسة قد رأت آراء أخرى بإن الحداثة هي نزوة عابرة ، وهذا الإلتفات والتعارض طبيعي، حيث تشكلت وجوه عدة لمعنى الحداثة، كما هي خطابات بذات النفس الحداثي وتتوافق معه في المضمون، وبهذا التنوع تنوع إيقاع الحداثة، وتقريبا نرى إنها أخذت أكثر من معنى وصفة، وبذلك هي ما عرفت بإطار معياري، بل إشتملت على وجهات نظر متعددة، وأن كانت دقيقة لم تبلغ الا تصور موضوعي للفكرة .
لقد قدم بروست وجميس جويس وفرجينيا وولف واليوت وكونراد وبول فاليري ، سمة التجارب الخلاقة بوجه خاص، بمسارات تؤكد وجهاً ذاتياً يعكس وجهة نظر تبدي أساليب معاصرة وأمثلة حيوية متفردة تعكس الوجه الاصطلاحي للحداثة الجديدة، والتي هي قد تلت حداثة القرن التاسع عشر، والتي هي بقيمها الأبداعية قد أصبحت تراثاً حداثياً، وتمثلت من خلالهم الحداثة الجديدة كخطابات ترجحها كياناتها الثقافية والمعرفية ليس إلا، ولا هي تشير بسهمها الى المصطلح الحداثي المعاصر الذي تمثله تلك الطاقات الإبداعية المعتبرة .
لقد كانت ما بعد الحداثة سمة انفصال نوعي عن الحداثة وسيرورتها، ومنذ الصيرورة ابان التسعينات، بعد طرح يوسا أدبياً رواية ( مديح الخالة )، والتي هي قفزة سيامية على الخطاب الأدبي، حيث لامركز للإنسان تدور حوله الأشياء ولا العكس الذي ارتأته الرواية الجديدة، فكانت وقتها ما بعد الحداثة حالة هلامية لا تعريف ضامن، لا شكل لها ولا معنى ولا أطر منطق خصوصي، لكنها كانت تمثل في تداول الأدب لها بعدا براكماتيا، يوصف على إنه ايجابي الصفة، حيث هو يعتمد على بعد ابستملوجي حيوي من الجانب المتداول، وهناك نسبوية مستدامة معرفياً، فأدب ما بعد الحداثة يسعى لقوة تتمثل في التعددية، وكأن هنا عصراً خالياً من الأقطاب والقمم، بل هناك تعدد ابداعي، وليس كما كان إبان فترة الحداثة الجديدة، حيث هناك قوى ابداعية تبرز فتكون قيمة كبرى .
نخلص أخيراً الى ما يراه جاك دريدا إزاء البراكماتيا، حيث عكس خطابه الفكرة لدعم البراكماتيا الثقافية على اعتبار إنها ايجابية، وهي في عصر ما بعد الحداثة تحتمل الصحة، حيث الفضاء الأدبي تدريجيا صار يخلو من المؤثرات الكبرى، ومن استلهام قيمها الأبداعية، فاهتم أديب ما بعد الحداثة بإستغلال الخطاب الضوئي الألكتروني، وصياغة الصور أدبياً، بل تعدت البراكماتيا حدودها عند – كتاب أدب - بوجه استغلالي عاطفي، لا يهتم بالنتائج حتى، بل ينصب اهتمامه بالمادة الأدبية عضوياً كمنجز فقط، واستغلت التعددية بشكل فوضوي، وتراجعت القيم الجمالية وتقوضت بسبب سوء فهم التعددية، وعدم ادراك ما معنى قيمة البراكماتيا الثقافية، وهذه الفوضى ليست عامة، بل هي أجدها في حيزنا الأدبي العراقي واسعة الشكل والأداء، وأيضاً في بعض البلدان العربية .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

حملة ميدانية في الديوانية لمعالجة إصابات حفارات النخيل

المرور تكشف: الغرامات لا تُخفّض إلا بقانون أو عفو نيابي

"حسحس" خلف القضبان: المحتوى الهابط وغسل الأموال

8,666 متهماً اعتقلهم جهاز الأمن الوطني خلال 2025

موسكو: جاهزون لتزويد إيران بالمياه

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مآثر فوق التصوّر

في غياب الأستاذ

رحيل ناجح المعموري ..حارس الاساطير البابلية

وجهة نظر: السينما المُدجَّنة: بيان في النقد

‏رحل استاذنا

مقالات ذات صلة

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة
عام

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة

لطفيّة الدليمي ها نحنُ ثانية على مبعدة ساعات من بدءالسنة الجديدة. أهو حدثٌ كبير؟ جديد؟ يستوجبُ التهيئة المكلفة والتقاليد الإحتفائية المكرورة من سنوات؟ ما الذي يحصل كلّ سنة؟ لا شيء. يتبدّلُ وضع العدّاد ويبقى...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram