أقيمت الاسبوع الماضي الأمسية الشعرية للشاعر عمار المسعودي، على أحدى قاعات كلية التربية . وهي بادرة طيبة وفيها من الانفتاح الكثير ،وهو أن تقوم مؤسسة اكاديمية بالاحتفاء بتجربة شاعر مختلف مثل عمار المسعودي.
عندما كنت أتجول في ممرات الجامعة قبل موعد الأمسية أنا وعمار المسعودي وحسين القاصد كانت تلوح لي صورة الاستاذ المرحوم محسن أطيمش ،وتلذذت بذكرياتي وأنا أراني أسرع للقائه ولقاء خالد علي مصطفى بملابسي العسكرية وقد قدمت توا بإجازة من أعماق الاهوار المشتعلة إبان حرب الثمانينيات.كانا يهتمان جدا بآخر قصيدة كتبتها ويحاوراني ويتناقشان بعد ضيافة كريمة ولطف بالغ منهما ترك أثراً كبيراً في القلب قدم الامسية الدكتور أحمد الزبيدي،وقرأ عمارالمسعودي نصوصاً من مجاميعه الشعرية الأربع: (ساعة يلمع الماس،ما يتعطل من الاسئلة،يختفي في القرى، زارع بهجات).وقد حضر طلبة المرحلة الرابعة في قسم اللغة العربية وأساتذتهم الكرام هذه الأمسية.
لم تكن قصائد عمار المسعودي غريبة عليّ،فقد رافقت كثيراً منها في ولادتها وكتابتها وطباعتها،وقصائد عمار المسعودي ترضي غروري ومعاييري في القراءة،فأنا أحترم أي عمل أدبي يستدعيك لتقرأه مرات عدة،لا لشيء بل لتقرأه،بالضبط كما تفعل بنا مجموعة صاحب الشاهر الوحيدة (أيها الوطن الشاعري)،ففي الأمسية الشعرية عندما يتحول النص المكتوب الى منطوق ومن الشاعر ذاته،تتولد مؤثرات جديدة.إذ يصبح للنص زمن خاص به وتكتسب كلماته خاصية صوتية لم يمنحها لها الورق في المجموعة فضلاً عن إن قراءة الشاعر في الامسية تأتي مطعمة ببوح الشاعر المصاحب للكلمات أعني كيانه الانساني الذي يحضر كاملاً أمامك.
من أبسط مقومات تلقي النص في الأمسية الشعرية أن تجلس وكأنك تشهد ولادة جديدة،حدثاً غير عادي أبداً،فهناك شاعر أمامك يبذر عباراته في الزمان وفي قلبك،وهذا يحتاج الى تصفير كامل،أي أن تكون في درجة الصفر تماماً من كل تذكر ومقارنة ومقاربة نقدية،لأن الدور هو دور الذائقة التي تطالبك بحريتها وتجريدها من كل المحددات المسبقة.هذا هو الغرض من الأمسية وما تبقى فهو زيادات قد تكون دراسية أو منهجية أو إحالات تخضع لتاريخ النص أو الشاعر ولكنها بائنة عن الأمسية التي يقرأ فيها الشاعر نصوصه.
عمار المسعودي لم تنتج نصوصه النظريات النقدية التي أسرت كثيرين،وقد اخبرته قبل الأمسية ونحن نتحاور في حديقة الكلية أن كثيرا من كتابنا وشعرائنا يقرأون النظريات ويكتبون نصوصهم وأنت تقرأ قريتك وعالمها وتكتب لذلك لا أرى كلماتك إلا كائنات خضراء مما انتجته قريتك. فعمار شاعر يجيد ترويض الأشجار والكلمات ويجيد اللعب بالاثنتين.لذلك جاء كلامه الشعري وليس لغته حافلا بالحركة والانبثاقات الكثيرة لكائنات وأفكار ولدتها العبارات التي خرجت من المتوقع الى اللامتوقع.
وعمار المسعودي شاعر انطلق من قريته الصلامية في ناحية الحسينية في كربلاء وعاد اليها.مثل نصوصه ،فهي تنطلق الى قارئها لتعود بأشيائها الى تلك القرية الوادعة الخضراء.وهو كما قلت في مداخلتي قد قلب المعادلة الشائعة المعروفة عن الشاعر القروي الذي يلوح في خارطة شعرنا العربي مهزوما مصدوما من عالم المدينة ويعيش نوعا من القطيعة مع المدينة دائما.ولم أنس تعليقا طريفا للناقد طراد الكبيسي في كتابه شجر الغابة الحجري عن الشعراء المهزومين أمام بغداد وسموها غابة الاسمنت وكأنهم صدموا بعيشهم في مدينة نيويورك.انه تلميح آخر عن اجتلاب التجارب والنظريات.
في الأماسي الشعرية يتحول أغلب المتلقين الى نقاد،ويحولون الامسية من فضاء نقي للتلقي الى حلبة للنقد والجدل وعرض النظريات وتشتبك الامور بين ان تكون امسية او محاضرة لتضيق حدود التلقي.ويضيع الاحتفاء والاحتفال بالشاعر ونصوصه في تضاعيف طرح النظريات والآراء ووجهات النظر.
اللغة بنت الأدب،تولد في الاشتغال،وتحديدا في الاشتغال الشعري،الذي يحولها من موظفة سقيمة الى راقصة بالية .والكلام الشعري في نصوص عمار المسعودي ليس لغة فكل النصوص تكتب باللغة وتحديدا بلغتنا العربية.ولكن مثار الأمر ان لكل شاعر كلامه الشعري،مثلما أن لكل شخص كلامه واللغة واحدة،لهذا يبرع عمار المسعودي في كتابة اللامتوقع من جريان الكلام الشعري،وهو لا يميل الى الغرابة تماما بحيث يمنع كلامه الشعري من أن يكون هذيانا،ولا يميل الى تسطيح العبارة بحيث يمنع كلامه الشعري من أن يكون فجّا باردا متوقعا.انها اللعبة التي يتقنها هو وليس غيره فكلامه الشعري هو مضمار براعته.
من المجحف أن نتلقى النصوص ونستعد للانسحار بها على وفق تصنيفها،فالقصيدة مهما كان شكلها فهي لابد أن تمتلك نوعا من اللذعة الشعرية.وكم خذلت الأشكال بأنواعها قصائد كثيرة لأنها لم تنطلق من تجربة حقيقية وليس فيها نبض ولا كهرباء شعرية.
كيف تصبح روحك قصيدة في أمسية واحدة

نشر في: 3 ديسمبر, 2017: 12:01 ص