TOP

جريدة المدى > عام > للثقافة مفهوم أوسع خارج عن الأدبيات والفنون..حين تكون الثقافة أداة للتعامل مع الحياة

للثقافة مفهوم أوسع خارج عن الأدبيات والفنون..حين تكون الثقافة أداة للتعامل مع الحياة

نشر في: 2 ديسمبر, 2017: 12:01 ص

يتسع مفهوم الثقافة ليشمل فرشة واسعة من الأنشطة البشرية المبدعة، لاسيما إذا ما ذهبنا إلى التعريف الأنثربولوجي لها، حيث يذكر الناقد سعد محمد رحيم أن" البشر جميعاً يتحركون في فضاءات ثقافية خاصة بهم، ويسلكون تبعاً لقيم تلك الثقافات، لكن قلة منهم فقط من تكون وظيفتهم الإنتاج في الحقل الثقافي." مؤكداً أنه" حقل آخذ بالتمدد والتفاعل والتداخل يوماً بعد آخر."

 

الاعتقاد السائد عن أن الثقافة فقط في الإنتاج الفكري والأدبي والسينمائي والمسرحي قاصر، حيث يذكر رحيم إن"هناك ثقافة رفيعة خاصة بالنخبة وأخرى شعبية خاصة بفئات أوسع، لكن الحدود باتت تنفتح بين الأشكال المختلفة للثقافة. فالموسيقيون الكبار، على سبيل المثال، باتوا يستعينون بالآلات والألحان الشعبية ويطعِّمون بها أعمالهم، ليرتقوا بمستويات منجزهم الإبداعي، وقل الشيء نفسه في مجالات المسرح والسينما والرواية والشعر وغيرها. حتى صارت الصحافة الورقية أيضاً، ومن ثم قنوات الإعلام المسموعة والمرئية، وبخاصة التلفزيون، وأخيراً مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية فضاءً لمثل هذا الامتزاج الخلاّق."
لا نجد عناية كافية بموضوعات الثقافة بشكل واسع في صحافتنا، وفي مؤسساتنا الثقافية والإعلامية عموماً، ويعود رحيم بالخطأ في "استعدادات المحررين والإداريين بقدر ما هو في عدم وجود مختصين يمكن أن يكتبوا ضمن هذه المجالات ومنها الأزياء والديكور والفنون السياحة وغيرها."
نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين مع ظاهرة العولمة وعصر ما بعد الحداثة، لابد من أن نتعرّف على ثقافات الشعوب تلك التي تشمل موروثها وأزياءها وتقاليدها وعمارتها إلى جانب آدابها وفنونها الراقية، رحيم يعتقد إن الحل "يكمن في توسيع فهمنا للثقافة وإنتاجها وتسويقها، ووضع ستراتيجيات في صحافتنا ومؤسساتنا الثقافية والإعلامية بهذا الخصوص تجعل من الثقافة ممارسة ثرية وعميقة ترتقي بالذائقة وبالوعي وبالسلوك في الوقت نفسه."
هذه الحلول التي وضعها سعد محمد رحيم من شأنها أن تحقق فهماً أعمق لهويتنا المركّبة ووجودنا بين بشر من مشارب مختلفة في العالم. وهو الأمر الذي يجعلنا أكثر تفهماً للاختلاف ولحقوق الإنسان الكونية ويرسخ في نفوسنا مبدأ التسامح وتقبل الآخر كنظير لنا في الخلق والإنسانية.
الثقافة قضية تتجاوز وحدانية الكتابة في (الآداب) و(الفنون) وحدهما، يذكر الشاعر والكاتب شاكر لعيبي إن " علينا الاعتراف في البدء أن مفردة (الثقافة) مشحونة في الوعي العربيّ بدلالة نبيلة. وأنها تتمحور حول العمل الكتابيّ (شعراً وقصة) والجامعيّ (بحثاً وأطروحةً وشهادةً). وأن ذلك كله يُنْتج شخصية مُفكِّرة، مُنظّرَة، مُنْتِجة للأفكار والنصوص، وأنها شخصية رفيعة بالضرورة."
يتوجّب اقتراح تعريف آخر لمفهوم الثقافة، غير إنتاج النصوص الأدبية والفكرية، لكي نرى فيما إذا وُجدت الثقافة في سياق الدالة الإيجابية للمفردة أم لم تجد.
وهنا يُشير لعيبي قائلاً " فرَّقتُ مرةً في مادة نشرتُها في المدى بين (الثقافة) و(المثقفين). ولنبدأ أولاً بالتعريف الذي تقدّمه منظمة (اليونسكو) للثقافة: (إنها مجموع السمات المتميّزة روحياً ومادياً وفكرياً وعاطفياً التي تسِمُ بميسمها مجتمعاً أو فئة اجتماعية. ما عدا حقلي الفنون والآداب، تنطوي الثقافة على نمط الحياة والقوانين الأساسية للكائن البشري وأنظمة القيم والتقاليد والمعتقدات)."
ومن هنا يؤكد لعيبي أن " كل ما تم الحديث عنه وتقديمه حول الثقافة والمثقفين يشتغل صُراحاً على نطاق عريض في جُلّ مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية واليومية بل التفاصيل الأكثر حميميةً، بينما لا تشتغل الآداب والفنون إلا في نطاق النخب الضيقة. من هنا تفريقي بين (الثقافة) و(المثقفين) = النخبة."
فعلى المستوى العراقي الذي يمكن أن يكون مثالا لجلّ البلدان العربية الأخرى، لن يختلف أحد، بأن أنساق الحياة والمعتقدات والقيم ما زالت تنهل الكثير من مصادر عفا عليها الزمن،القبيلة على سبيل المثال الواضح، وقيمها الروحية وسبل تدخلّها في الحياة الشخصية والقانونية للأفراد، وهنا يقول لعيبي "أن الشعر الشعبي العراقيّ، المنتشر والمحبوب،يُعطي أمثلة ونماذج جديدة بارزة (للثقافة) ضمن التعريف الذي نستند إليه، لجهة استناده إلى معايير الماضي ومفاهيمَ الرجولة والنخوة القبلية."واجداً أن هذه المعايير "هي الاسم الآخر للثقافة العراقية دون شك."
لماذا تغفل المجلات والدوريات الثقافية العربية هذا المعنى للثقافة؟ ولما وَضعتْ لوقتٍ طويل رقص الشعوب والوشم والختان والموضة، على سبيل المثال لا الحصر، في إطار ليس إطار (الثقافة) الرفيعة، وفي أحسن الأحوال في إطار أنثروبولوجي متخصّص (إذا لم يُنظر للأنثروبولوجيا نفسها بريبةٍ)؟ هنا يشير لعيبي قائلاً " أعتقد أن عدم اهتمام الدوريات العربية بالثقافة بمعناها الأوسع، ناجم عن تصور مثاليّ للثقافة، لا وجود له في الواقع." مُبيناً "من الواضح أن الانحناء على الثقافة بالمعنى الذي نلحّ عليه هنا، يعني انفتاح هذه الصحافة – لو انفتحت بشكل منهجيّ وليس سطحياً ومن باب الإثارة السهلة – على قضايا جوهرية مستعصية، على إشكاليات يُراد طمس بعضها، والخجل من قول بعضها، وعدم الاعتراف ببعضها، أو خشية الاصطدام بمنظومات فكرية راسخة، متخلّفة أحياناً، تسعى لتأبيد (الثقافة) لصالحها."
الثقافة قيافة، تعبّر عن هويّة المجتمع على المستويين الشكلي والمضموني وما يتخللهما من سلوكيات ورؤى، حيث يُشير رئيس تحرير مجلة أفاق أدبية سلمان داوّد محمد إلى أن" جملة من المضامين المجتمعية تنبثق من متون الشعر والقصة والرواية وغيرها من المدونات الأدبية والمعرفية الأخرى، وهكذا الحال مع الفنون المسرح والفنون التشكيلية، التي تعتمد في بث مساحة ليست بالقليلة من خطابها الإنساني والجمالي والدلالي عبر الأزياء والأشكال والألوان وسواها." مؤكداً هنا أننا بذلك سنكون" أمام مفهوم (الثقافة الثقيلة) كما يطلق عليها غالباً على وعي المجتمع الثقافي العميق الذي يرى ما لا تراه أغلب الصحف والمجلات التي تكرّس (الثقافة الخفيفة) الإستهلاكية وهي تخصص مساحات شاسعة على صفحاتها الملونة على سبيل المثال لزواج وطلاق وفضائح عارضات الأزياء من دون الإشارة الى قيمة هذا الفن بوصفه ثقافة راقية في حيوات الشعوب."
هذه المناحي التي أشار إليها محمد تتجاور في التعاطي الساذج مع الفنون الشعبية، فهو يؤكد أننا"ما زلنا رهينة ما قالته (التُنْكَة) و(المَهَفَة) و(الطنطل) و(خدري الجاي خدري) وهكذا." مُبيناً" إن أمراً كهذا يقودنا الى التفكير ملياً بتأسيس مطبوعات متخصصة ومتعددة تعنى بشؤون المجتمع والفن الشعبي والموضة وفن اللياقة ومن هي على هذه الشاكلة ،ولم شمل تلك الدراسات والأفكار الجادة في هذا الشأن والمهدورة عادة ويتيمة ومسفوحة على بعض صفحاتنا الثقافية الراهنة."
إن المتتبع لمسارات الثقافة العراقية المعاصرة منذ مطلع القرن الماضي ولحد الآن، سيجد نفسه بمواجهة أسئلة حائرة يصعب الإجابة عنها، ذلك أن تفجر الثقافة والاداب والفنون بشكل متسارع، ولافت للانتباه، وفي فترة مبكرة، ومن ثم انتاج زخم هائل من العطاءات الابداعية الخلاقة التي وضعت أسس الريادتين الزمنية والابداعية، كريادات السياب ونازك وبلند وجواد سليم وخالد الرحال والجواهري والتكرلي والكثير من الاسماء الكبيرة التي احتلت مساحة واسعة من حيز الوعي الثقافي والمعرفي والفني.
وهنا يجد الناقد التشكيلي صلاح عباس أن" على الرغم من رصانة العطاءات المقدمة من لدن مبدعينا العراقيين وانشغالهم بالنوع الثقافي، وتحقيقهم أعلى حالات التأثير على صعيدي الثقافة العراقية والعربية على حد سواء، بيد هناك الكثير من الاهمال لأفرع ثقافية اخرى كان ينبغي دراستها على أسس علوم الانثروبولوجي والسوسيولوجي وعلوم التاريخ والجمال، ومن هذه الأفرع الثقافية المهملة ثقافة الأزياء وكما يعرف الجميع بان الأزياء في تراث الشعوب تمثل الوظيفة والهوية والانتماء العرقي وللأسف الشديد لم نجد باحثاً اكاديمياً درس هذا الفصل الهام في حياة المجتمع العراقي على نحو موضوعي وعلمي."
أن الثقافة العراقية تفتقر لثقافة أدب السيرة، التي يؤكد عباس بأن "هذا النوع الثقافي الخاص الذي من شأنه أن يفتح نوافذ على الثقافة المسكوت عنها، مع علمنا بان صفحات تاريخ بعض الشخصيات تمثل صفحات تاريخ البلاد في الحقب المختلفة وبانعدام ثقافة أدب السيرة ضاعت علينا الكثير من الحقائق المهمة."
بعد أن كانت الثقافة محصورة في الضرب الأدبي والسياسي صارت تشمل ضروب مفاصل الوجود في مفهومها الاوسع، حيث يذكر الشاعر والكاتب جاسم عاصي أن "في واقعنا الذي توالت عليه المتغيرات ذات النمط المشوب بضيق الأفق، إضافة الى الانحدار السياسي الذي يواجهنا جعل العقل يمارس الاستسهال في تحديد مفهوم الثقافة."
يبدو أن تعامل الانسان مع المفهوم الواسع للثقافة يكون متعايش معه فيذكر عاصي "إن الانسان يتربى على المفهوم الواسع لللثقافة، وهنا حين يتبادر إلى أذهاننا مفهوم الثقافة بأنها لن تتمثل امامنا بحدود ضيقة، فالسعة في المفهوم يجد له فهما عبر المطبوع الذي يحفز الاجتهاد."
ويجد عاصي أن "موضوعة الثقافة بمفهوم واسع متداخل بإشكالية الثقافة وعلاقتها بالانسان عامة، وليس الانسان المثقف فحسب، لأننا اذا اعتمدنا الاخيرة فستصبح معرفة وليست ثقافة." مؤكداً أننا" بحاجة إلى توسيع افقنا حول مفهوم الثقافة ومن ثم تحويلها إلى أداة لفهم الحياة وبنيانها بشكل يضمن إلى الانسان الرفاهية وكرم العيش."

 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

بينهم عراقيون.. فرار 5 دواعش من مخيم الهول

هزة أرضية ثانية تضرب واسط

الصدر: العداء مع أمريكا أبدي ما دام ترامب موجوداً

البيت الأبيض: المساعدات الأمريكية أنقذت زيلينسكي من الموت

إدارة ترامب تطلب من العراق استئناف نفط الإقليم أو مواجهة العقوبات

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد:أريش فولفغانغ كورنغولد

صورة سيفو في مرآة الوهايبي

"مُخْتَارَات": <اَلْعِمَارَةُ عِنْدَ "اَلْآخَرِ": تَصْمِيمًا وَتَعْبِيرًا > "لِوِيسْ بَاراغَانْ"

"حماس بوينس آيرس" أول مجموعة شعرية لبورخس

علي عيسى.. قناص اللحظات الإبداعية الهاربة

مقالات ذات صلة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت
عام

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

أدار الحوار: مارسيلو غلايسر* ترجمة: لطفية الدليمي ما حدودُ قدرتنا المتاحة على فهم العالم؟ هل أنّ أحلامنا ببلوغ معرفة كاملة للواقع تُعدُّ واقعية أمّ أنّ هناك حدوداً قصوى نهائية لما يمكننا بلوغه؟ يتخيّلُ مؤلّف...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram