أول شيء يرد في ذهننا عند ذكر اسم سنغر، هو ماكنات الخياطة من ماركة سنغر الشهيرة. انتشرت هذه الماكنات متينة الصنع التي تدار بدواسة القدم في كل العالم منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، ولربما كانت موجودة في أكثر البيوت العراقية في القرن العشرين. تميزت الماكنة بدقتها وكانت جميلة التصميم رشيقة الجسم كالغزال أو الفرس العربية، خشبها متين ويقاوم الزمن. أسس الشركة التي تنتجها الامريكي اسحق مريت سنغر (1811 – 1875) سنة 1851، وكان المعمل الأول في نيوجرسي بالولايات المتحدة وبدأ الانتاج سنة 1863. انتقل سنغر للعيش في باريس بعد الحرب الأهلية الأمريكية، ثم انتقل منها الى بريطانيا بعد الحرب الفرنسية البروسية سنة 1871 وأثرى من اختراعاته ومن مصنعه ثراءً خيالياً. تزوج سنغر عدة مرات وكانت له علاقات غرامية عديدة وخلف 24 طفلاً، بينهم ابنة اسمها وينريتّا (ولدت سنة 1865) من زوجته الثانية باريسية الولادة. وينريتّا سنغر هذه هي الشخصية التي أود الحديث عنها اليوم.
عاشت وينريتّا أغلب حياتها في باريس حتى وفاتها هناك في 1943. كانت عازفة بارعة على البيانو وعلى الأورغن، وكثيراً ما كانت تقدم الأعمال الموسيقية بنفسها. كما كانت في نفس الوقت فنانة تشكيلية بارعة، اقيمت لها العديد من المعارض. أمتلكت ثماني أدوات وترية من صنع أنتونيو ستراديفاري (1644 - 1737) أشهر من صنع الأدوات الوترية، وتبلغ قيمة الواحدة منها اليوم مئات الآلاف من الدولارات. تزوجت وينريتّا مرتين، من كونت فرنسي ثم من الأمير أدموند دو بولينياك، حتى تضمن تواجدها في المحافل التي يرتادها نبلاء ذلك الوقت. لكنها لم تكن في حاجة إلى المال إذ ورثت من أبيها ثروة طائلة عندما بلغت الثامنة عشرة. بدأت تبذل ثروتها في رعاية الفنون وتأسيس الجمعيات الخيرية ودعم الفنانين، منهم موريس رافيل وكلود ديبوسي وأريك ساتي وفرانسيس بولانك وداريوس ميّو من الفرنسيين، والألماني كورت فايل والاسباني ماويل دي فايا، وكانت لها صداقة متينة وحميمة مع الموسيقي غابرييل فوريه. كان لها صالون ثقافي شهير، أقامت فيه الحفلات الموسيقية بانتظام، وكانت القاعة الرئيسة في قصرها تتسع لمئتي شخص، وهناك قاعة أخرى أصغر خصصتها للأصدقاء. وشهدت هاتان الصالتان تقديم الكثير من أعمال التي طلبتها وينريتّا من ألمع الموسيقيين الفرنسين وبذلت الكثير من المال في ذلك دعماً للموسيقيين. كان الروسي ايغور سترافنسكي من بين الموسيقيين الذين التقتهم وغدا أشبه بالمؤلف الشخصي لها، كانت تدفع له بسخاء. ساعدت عبر مؤسستها (مؤسسة سنغر – بولينياك وتأسست في 1928) في تمويل دراسة العديد من الموسيقيين الذين لمعوا فيما بعد، منهم عازفا البيانو الشهيران البولوني أرتور روبنشتاين والاوكراني فلاديمير هوروفيتس، والمؤلفة الانكليزية أثل سميث وكذلك الفرنسية ناديا بولانجيه التي تولت إدارة الحفلات الموسيقية بعد وفاة وينريتّا دو بولينياك، لغاية وفاة بولانجيه في 1979. دعمت كذلك اوركسترا باريس السيمفونية وأوبرا باريس. ولم تقتصر على دعم الفنون بل الخدمات العامة كذلك، فقد شيدت دوراً سكنية للفقراء، وملاجئ للفقراء والمحتاجين بالتعاون مع المعماري الشهير لو كوربوزيير.
موسيقى السبت: ابنة سنغر

نشر في: 2 ديسمبر, 2017: 12:01 ص