صدر مؤخراً، كتاب بعنوان The Darkening Age ظلام العصر، للمؤلفة Catherine Nixey كاترين نيكسي، وعندما قرأت الكتاب وجدت نفسي كأنني أقرأ عما يجري اليوم في بلادنا في الشرق الأوسط، من تدمير المعابد ونسف المدن الأثرية وقطع رؤوس التماثيل وحرق الكتب وتعذيب وقتل الناس باسم الدين، وتفخيخ أنفسهم، واعدين اتباعهم بالجنة والحوريات. ولكن جرى هذا قبل ألف وخمس مئة عام. فالتخريب والتدمير الذي قام به الرهبان المسيحيون قد نسي في العصر الحديث. فقد حدث هذا خلال قرنين من الزمن، أي منذ اعتناق الامبراطور قسطنطين الدين المسيحي في 312 حتى إغلاق آخر اكاديمية فلسفية عام 529 ميلادية.
كان عصر الرومان عصر يؤمن بنظرية الذرة في الطبيعة، والرياضيات والعلم، ولا يؤمن بأن هنالك قوة قادرة على كل شيء، فقد كان الفلاسفة يبحثون نظريات بعضهم البعض ويناقشون المواضيع الممنوع بحثها. ويمثل العقلية الرومانية الكاتب سيماخوس Symmachus الذي عاش في القرن الرابع الميلادي 345-402، فكتب: (نرى نفس النجوم، ونشارك جميعنا في السماء التي تحيط العالم. ما يهم هو أن يستعمل الإنسان المعرفة والحكمة لكي يفتش عن الحقيقة). ونجد في العصر نفسه الفكر المسيحي الذي بدأ ينتشر بين عامة الناس المتمثل بقول القديس أوغسطينوس في القرن الرابع: (إن جميع الأوهام التي يؤمن بها الوثنيون والهراطقة علينا أن نقضي عليها، هذا ما يطلبه الإله منا وهذا ما أعلنه). فما كتبه سيماخوس واضح في التسامح مع الذين يختلف معهم لأنه مؤمن بالفلسفة العقلانية وبين القديس أوغسطينوس في القضاء على الآخر إن لم يكن معنا.
حاولت روما في البداية المحافظة على الدين التقليدي وعلى تقاليد المجتمع ومعتقداتهم، كما حاول القضاة الرومان بكل ما في وسعهم استعمال العقل في النقاش مع الذين بدأوا يستشهدون ويرفضون تقديم القرابين إلى الآلهة الرومانية، وأخذت هذه الأفكار تعم بين الناس الذين يعتنقون المسيحية ويحاولون الاستشهاد في سبيل العقيدة التي يؤمنون بها. فقد كانت بالنسبة لهم حرباً بين الخير والشر، بين الظلام والضياء، إنها معركة بين الشيطان والله. إن منظر التعذيب أدى بأناس ليسوا بمسيحيين أن يشاركونهم بالاستشهاد، واعتبر المسيحيون ذلك واسطة مهمة لتجنيد متطوعين في اعتناق المسيحية. واعتبر هذا العصر بالنسبة للكنيسة بعصر البطولة وظهور قديسين مثل أوغسطينوس وجيروم وأمبروز وأنطوني وغيرهم. انه العصر الذي يتكلم فيه الرهبان بصورة شخصية مع الله. عالم المعجزات، الأعمى يرى، والمؤمنون يقومون من قبورهم أحياء، والقديسون ما زالوا يسيرون على الماء، عصر تجنب المغريات والابتعاد عن ملاذ الدنيا لأن العفاريت والشيطان يوسوسون في آذانهم.
حاول الامبراطور الروماني تراجان 53 – 117 ميلادية،أ يتساهل معهم، وقال: (علينا آلا نطارد هؤلاء الناس). لذا كان القضاة الرومان يستعملون المنطق أحياناً، وقد سأل قاضٍ روماني أحدهم: (من الذي يختار أن يطفئ شمعة الحياة الجميلة ويفضل الموت؟)، وحذرهم قاضٍ آخر:(من انه ليس هنالك متعة ستجدونها في قتل انفسكم، اسمعوني وخلصوا أنفسكم). لكنهم كانوا يصرون على رفض تقديم القرابين للآلهة الرومانية. وأجاب أحدهم: (إن الموت الذي ينتظرني أجمل من الحياة التي تقدمها لي). كان بعض حكام الرومان يستغربون من الاستشهاد، ومنهم الكاتب بلني الأكبر 23 – 79 ميلادية، يطلب منهم (الاصغاء إلى العقل).
لكن تغير الوضع تماماً عندما اعتنق الامبراطور قسطنطين 272-337 ميلادية، الدين المسيحي وأعلن نفسه من أتباع المسيح وأعفى الكنيسة من الضرائب، وأخذ يقدم مكافآت كبيرة للمطارنة وأصبحت رواتبهم خمسة أضعاف راتب الأساتذة وستة أضعاف راتب الأطباء. وبدأت الكنيسة بصورة منظمة في القضاء على الأديان الأخرى والمعتقدات التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية، فأغلقت أكاديمية الفلسفة التي يرجع تاريخها إلى الفيلسوف أفلاطون، أي ما يقارب من ألف عام. كما أمر بإخراج التماثيل من المعابد وتهشيمها، وأذيبت التماثيل البرونزية والذهبية، ولا يحتاج عامة الناس لحثهم على التهديم والنهب، فانتشر النهب بتشيع من الامبراطور قسطنطين ومن بعده الامبراطور جوليان.
وصفق الكّتاب المسيحيون إلى التهديم الذي حدث آنذاك، وحثوا الحكام على عنف أكثر، واعتبروا هدم المعابد إرادة الله. ووصِف الوثنيون مجانين لذا يجب أن تمحى مفاهيمهم ودينهم. وأعتبر تقديم القرابين إثماً. حتى أن القديس مارتن في فرنسا، بدأ ينتقل من معبد إلى آخر، ويذكر بفخر (كيف كان يشعل النار في معظم المعابد القديمة والمشهورة) واعتبر من فضائل القديس أن يشعر بالفخر والسرور في تدمير تلك المعابد. وشجع معظم القديسين، بما فيهم أوغسطينوس ومارتن وبنديكت وجون كريستوم على هدم وتدمير المعابد والتماثيل واعتبروها إرادة الله. كان تدميرها يحصل في يوم واحد، بينما كان يحتاج بناؤها إلى المعرفة والمهارة التي تراكمت خلال العصور.
كانت الطبقة الارستقراطية والمتعلمة تسأل نفسها، هل من الممكن لها أن تقوم بهذه الطفرة؟ طفرة الإيمان؟ لكنها بدأت تعتنق الديانة المسيحية للتخلص من تدمير فيلاتهم وحرق مكتباتهم أو قتلهم، ففي عام 386 ميلادية صدر قانون في مهاجمة الكتّاب، يهدد بالعقاب والاتهام بالخيانة العظمى التي تؤدي إلى قتلهم والتخلص منهم. أدى هذا العداء إلى التخلص من كتابات كتّاب مثل الكاتب الاغريقي سيلسس Celsus، القرن الثاني الميلادي، الذي لم ينج كتاب واحد من أعماله، فجميعها اختفت لأنه انتقد الدين المسيحي والمسيحية بشدة. واعتبر من المهرطقين، وما بقي من كتاباته هو رد الكّتاب المسيحيين عليه في مقتطفات من كتبه، كما أضيف أسم الكاتب والخطيب الاغريقي لوسيان Lucian 125-180 ميلادية، إلى قائمة الكتب الممنوعة.
وشمل التخريب في تلك الفترة مصر وسوريا واليونان وروما، لكن التدمير الشامل كان في الإسكندرية وتدمر في سوريا. إذ كان التدمير فعّالاً. وكان الرهبان ينتقلون بعدد كبير يتجاوز 500 شخص، بملابسهم السوداء لتدمير المعابد، فتنهال أعمدتها التي تعود إلى ألف عام بسرعة، وتشوه وجوه التماثيل وهم يضحكون ويسخرون عندما تنهار تلك المعابد التي تمثل الوثنية بالنسبة لهم.
ومن جملة ما دُمر في تلك الحقبة معبد سيرابس في عام 392 ومكتبة الإسكندرية، التي قام بإنشائها الحاكم بطليموس الثاني والثالث، التي شملت النسخ الأصلية للزرادشتية والتوراة والكتب الفلسفية وأدب المأساة والملهاة التي كتبها الكتّاب الإغريق. إذ كانوا يستنسخون الأصل وتبعث النسخة المستنسخة إلى أثينا، ويحتفظوا بالنسخة الاصلية في مكتبة الإسكندرية. وقد جمع ما لا يقل عن نصف مليون كتاب، في القرن الثالث، وكانت تعتبر أعظم مكتبة في العالم.
كما دّمروا 2500 مزار، ومعبد لم يبق لها أثر، ووضع الصليب تحت كل عمود وحائط ومدخل بناية. وكانت تلك المدة التي مرّت بها الإسكندرية تشبه لحد ما مرّ به العراق وسوريا من التنظيف الطائفي والعرقي. فقد بدأ الهجوم على اليهود، والاستيلاء على معابدهم وكتبهم كما هجم على حاكم الإسكندرية، واعتبر القديس جيروم إن قراءة الكتب الكلاسيكية (خيانة للسان وتلويثه) وعلى الكتاب المسيحيين ألا يقرأوا تلك الكتب التي تشوش تفكيرهم بل شجع المبشرين على حرقها. كانت ضربة قاصمة وجهت للعلم والفلسفة، فالفكرة أن الإنسان باستطاعته أن يفسر كل شيء هو نوع من الحماقة بالنسبة لهم، وكانوا يحذرون من كتب الوثنيين ويقولون لاتباعهم: (ابتعدوا عن كتب الوثنيين) بينما كان النقاد الاغريق يتهكمون على آلهتكم وينتقدونها، فقد قال فيثاغورس عن الآلهة: (لا أستطيع أن أجزم أنهم موجودون أولاً).
وبدأ الخوف يهيمن على المفكرين والمتعلمين أي نخبة المجتمع، فأضطر بعضهم إلى القيام بحرق مكتباتهم قبل أن يهجم عليهم الرعاع ويحرقونها ويساقون للتعذيب. حتى أن بعضهم حرق عدداً كبيراً من أعمالهم، مثلما قام به الخطيب ليبانس Libanius، والكاتب بلادس Pallades من الاسكندرية، الذي وصف الحالة التي كان يمر بها في القرن الرابع الميلادي: (هل نحن أموات ونظهر كأننا نعيش، أم أننا أحياء والحياة ميتة؟) أي إإنهم أشباح متحركة. فقد أخذوا يشعرون بالتضيق على الفكر، وقضي على تقاليد المجتمع وعاداته ووضعت أعلام الصليب على المعابد المهدمة في روما وفرضت الكنيسة السيطرة على معيشة الفرد وتفكيره والرقابة حتى بما يفكرون به. إذ بالنسبة للكنيسة هنالك رب يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ويتتبع خطواتهم.
اختفت الحرية والتنوع الذي كان يمارسه الرومان في اللباس والأكل والشرب والجنس وأصدر الكاتب المسيحي كلمنت Clement 150-215 ميلادية، دليلاً للمؤمنين يتعلق بما يسمح به في الأكل والشرب واللباس وحتى ما يسمح لهم أن يقوموا به في الفراش عند النوم. وسجل ذلك في ثلاثة مجلدات. بدأ بالطعام فكتب: (إننا جميعاً من التراب... فيجب وضع رقابة على سلوك البشر، ومنع استعمال البهارات، والخبز الأبيض والحلوى والعسل والكعك والسكر والتين المجفف). وقال عن الذين يتمتعون بالطعام (هم حيوانات بشكل إنسان والشيطان يختبئ بين الحلوى) وفضّل الذهاب إلى حضور الجنازة حيث البكاء والندب والألم والحسرات على الذهاب إلى حفلات الأكل والشرب التي اشتهر بها الرومان.
واعُتبر المسرح خطيئةً وانحرافاً إنه (معبد عهر وقلعة تجارب للرذيلة)، ولم يكن هنالك احترام للممثلين أو الراقصين أو الذين يقومون بألعاب الاكروبات، بل أصبحت الموسيقى خطر، وأخذ الوعاظ يقولون: إن الله لم يعطينا الحياة لكي نتمتع بها. كانوا ضد الغسل والحمامات، التي كانت تمثل الرقي الحضري في عصر الرومان. كما اعتبر الجنس مسموح به بعد الزواج ولكن ليس للمتعة وإنما للإنجاب فقط. واعتبر مجرد التفكير بالجنس خطيئة، وقد فُرض نظام قاسٍ على الرهبان، واعتبر الراهب شنوات Shenoute المعروف بـ (شنودا)348 – 466 ميلادية، هذه المعاملة القاسية لمساعدتهم وليس لإيذائهم، ولكي يهتدوا إلى الطريق الصحيح، حتى أن بعضهم اعتبر القتل ليس بجريمة وإنما هو بالحقيقة صلاة إلى الله. جرى ذلك خاصة في عصر الامبراطور البيزنطي جوستين Justinian،482 – 565 ميلادية، الذي حكم بقانون امبراطوري عام 527، كان يعتقد (من لم يعاقب المخالفين سيعاقبه الله)، وأصبح كل من ينتمي إلى الدير، إن كان رجلاً أو امرأة، عليه أن يقدم كل ما يملكه إلى الدير من أملاك، حتى عليه التخلص من الملابس التي يملكها، وإلا يعاقبون ويلعن أولئك الذين لا يتخلون عن كل ما يملكون، وبذلك بدأت الأديرة تملك فيلات وحدائق، ومزارع وحقول لتربية الحيوانات.
كما انتشرت ظاهرة التجسس على الآخرين والإخبار عنهم، واعتبر العقاب إنقاذاً لهم وليس معاقبة في الاخِبار عن سلوكهم. كان الجلد أحد المقومات التي يقوم بها الراهب شنوات، لكل من يخالف هذه التعاليم القاسية، واعتبر كل من لا يطبق هذه التعاليم كافراً ويجب قتله وتنظيف الأرض والعالم منهم.
كان عند الأباطرة الرومان جواسيس، أما الآن فقد وضع التجسس في خدمة الكنيسة وطلب من الرجال في أعلى المستويات أن يصبحوا مخبرين للإمبراطور، بما في ذلك المطارنة، ففي إتباع التجسس، باستطاعتهم (إغلاق جميع الطرق التي تؤدي إلى الخطيئة). وشملت حتى بعض القسس والرهبان والمطارنة الذين خالفوهم الرأي، فقضي عليهم بالقتل أو فقأ العينين. واعتبرت الكنيسة نفسها فوق القانون، وبدأوا يعاقبون القضاة أنفسهم. باسم (انه قانون الله).
لذا أصبحت هجرة العقول من الاسكندرية إلى أثينا ظاهرة في تلك الفترة، لكن حتى أثينا لم تنج، ولم يقتصر القضاء في أثينا على المعابد وإنما القضاء على الفلسفة والهجوم على الفلاسفة. كانت هذه نهاية الفكر الحر لمدة ألف عام. كما أجبر كل فرد أن يصبح مسيحياً وأغلقت الأبواب بقوة أمام الوثنيين في الإمبراطورية. كان يطلقون على المسيحية (الوضع الحاضر أو الظروف المهيمنة)، إذ كانوا يعتقدون إنها موجة وسوف تمر، لكنهم كانوا مخطئين في تنبؤاتهم. وحافظ الفيلسوف الدمشقي Damascius، على الفلسفة الأغريقية، فقد جاء مهاجراً من الإسكندرية إلى أثينا، وأصبح رئيساً للأكاديمية، وفي عهده جعل أكاديمية الفلسفة من أعظم الاكاديميات في عصره، فأغلق الاكاديمية مع سبعة من أصحابه وانتهت بذلك الفلسفة الاغريقية كما انتهت الفلسفة الحرة بانتهائهم، وكان قانون جوستين، سبباً في هيمنة العصر المظلم على أوروبا. ولم تعد الفلسفة الاغريقية إلى أوروبا إلا عن طريق العرب، في عصر التنوير عندما افاقت أوروبا من سباتها الطويل.
هل يعيد التاريخ نفسه عندما قامت المجموعات المتمثلة بالقاعدة وداعش وغيرها من المسميات، في تدمير ونسف مدينة نينوى وتشويه التماثيل وتقطيعها في متحف الموصل ومدينتي الحضر في العراق وتدمر في سوريا في القرن الواحد والعشرين؟ الذي أتمناه ألا يطول عصر الظلام الذي هيمن على منطقتنا الآن، والتخلص من أيديولوجية التطرّف والخرافات والأوهام والانقسامات الطائفية، لنعود إلى تقبل الآخر والتسامح والمعرفة والعلم.
7/11/2017










