على الرغم من علو صوته الشخصي، والانطلاق من تجربته الخاصة والحديث باسمها، لم يشأ معاذ الآلوسي في كتابه الأول نوستوس أن يكتب سيرة شخصية. في الحقيقة عاند لكي لا تظهر، فهو لا يريد أن يكتب رواية عن نفسه. لكن حضور الزمن الموضوعي متعالق بتجربته الشخصية، ثم ظهور اللون العاطفي لهذه التجربة بوضوح، جعل من معاذ يقف على عتبة هذه السيرة. ولسوف يعيد توجيهها ما بين الفصول، لتظهر في العنوان الشارح للكتاب بوصفها : سيرة شارع في بغداد!
لا شك هناك سيرة شارع. وشارع ماثل الآن في الكرخ باسم حيفا، بل هو مشروع حضري غيّر معالم منطقة شعبية بكاملها، ومعاذ الالوسي يسرد تفاصيل مثيرة عن تاريخه بوصفه المعمار المسؤول عن تنفيذه. لكن”نوستوس”أكثر من مجرد سيرة شارع، بل هو مفتاح ما دعاه بدرب المهنة المعقد الذي تتقاطع أو تلتقي فيه الحياة،الأفكار، المجتمع، السلطة، النخب الفكرية والسياسية، الآمال المحبطة، التصورات عن المدينة، لحظات الخطر المعاشة بتفاصيلها المزعجة.
ثمة في”نوستوس”"دروب”عديدة، ودروب بغدادية إن جاز التعبير : واحدة تستدير راجعة، أخرى مفتوحة بقياسات أذرع لتنغلق، ثالثة تتأفعى، ورابعة تفضي إلى فضاءات متنوعة ما بين حدث وموقف ورأي وتجربة حياة.
كان المشروع الحضري لشارع حيفا قد دخل الى أحشاء جانب الكرخ من مدينة بغداد وهدّ دروبا واقعية ببيوتها التقليدية التي هي جزء من نسيج حضاري قديم. الآلوسي امتلك سجلا مصورا عن تلك الدروب والبيوت، وهو بقدر ما شعر بخسارة ذلك النسيج، وامتلك عاطفة حانية عليه لم يخفها، أدرك في الوقت نفسه الضرورات التي تمليها الحياة في مدينة متوسعة اخترقتها الحداثة. والحال إن نوستوس يشيد جسرا من التذكارات والخواطر الحزينة ومواد الماضي الثرية ليعبر بها الى الشارع الجديد. الحداثة ليست حراثة تقتلع الماضي وتبدده بل تعيد توجيهه وتجعله يعمل في الحاضر. هذه واحدة من مبادئ العمل في الدروب الخاصة بالمهنة كما فهمها معاذ. ولسوف نجد في الكتاب أن معاذا يفتح هو الآخر ممرات متشابكة ما بين تجاربه في الحياة والمهنة، بين حكاية شارع وحكاية مدينة وحكاية حياته الشخصية وطريقته في الفهم.
إن اسم نوستوس وحده يملأ الكتاب باللون العاطفي لتجربته وايقاعها الشخصي. فنوستوس (نوستالجيا) معناه الحنين الى الماضي، ومعاذ الآلوسي يستخدم ترجمة عربية مثيرة لهذا المعنى (الوطان). إذن هو الماضي الذي تستدعيه الذاكرة والحنين. بيد أن هذه النوستالجيا ليست مجرد حالة عاطفية، فهي أكثر رمزية من معناها اللغوي، بل هي موقف مثقف لا يتوقف محزونا ملتاعا على الاشياء التي افتقدها، مواصلا حالة نشطة من التذكر والربط واسترجاع ما كان له من حياة. في هذا الاسترجاع لا مكان للأسى ومشاعر الخذلان الا من الجهة الموضوعية، حين قامت السياسة بقطع الطريق على المستقبل وبعثرة الطبقة الوسطى في المنافي وترييف المدن، وهي عملية تاريخية سياسية توّجت بعد عام 2003. أما الباقي، والشخصي جدا، فيصفه معاذ الآلوسي بمرح، بلعب، بكبرياء. إنه يتكلم من أجل أن ينتزع ماضيه من مخالب الزمن والنسيان ليعيد بناءه في سياق تجربة شخصية.
ثمة ميزة أساسية تلاحظ ببساطة في كتاب نوستوس وقرينه توبوس الذي نحتفي بصدوره اليوم، الا وهي اللهجة الشخصية. فكل جملة تشير الى قائلها، ومن يتكلم في الكتابين هو شخص يريد أن يفصح عن نفسه وتجربته. حتى عندما يتحدث عن أحداث موضوعية، وقضايا اجتماعية أو فنية أو مهنية، نرى صوت المتكلم الشخصي يظهر بوضوح.
إن عباراته تنطلق من محددات التجربة الشخصية، وأكثر من هذا يبدو كأنه يتحدث لأصدقاء يعرفهم وليس بحاجة الى أن يبرر لهم سلوكه وأهدافه. والحال بقدر ما عاند لكي لا يظهر كتابه كسيرة شخصية، عاندت حياته الشخصية، زمنه الشخصي جدا، الحميم، والإنساني، لكي تظهر بكثافة.
إن التجربة الشخصية تظهر بوضوح كنغمة عاطفية لرجل عشق الحياة قبل كل شيء، أحب مدينته، أحب مهنته، أحب الماضي الذي عاشه بصدق وجد، أحب أصدقائه ومجتمعه، وهاهو يقبض على الماضي أثناء ما هو يبتعد ويومض ويومئ قبل أن يتبدد ويتلاشى بالنسيان أوالموت.
من هنا لن أكون مخطئا إذا قلت إنه في الكتابين يعالج حياته، وينظم فوضاها، ويشبك دروبها ويشدها الى حياته. كل شيء يبدأ من حياته وينتهي إليها، وكلها مهمة بالتساوي للتعبير عن شخصية معاذ الجالس معنا اليوم.
ذلكم هو سر حيوية الكتابين..
في كتاب توبوس الذي نحتفي به اليوم ظهر عناد الحياة وقوتها، فهو يبدأ من زمن الولادة. هكذا تظهر أول عتبة للسيرة الشخصية، لتستمر، عبر رحلة تعليم وجدانية واجتماعية ومهنية مليئة بالمصاعب والعناد وتغيير الأمكنة والبحث عن الذات. ومرة أخرى يهرب معاذ الآلوسي من معنى السيرة الذاتية بإحالة واسعة الى الزمان والمكان، وهو ما نجده في العنوان الشارح للكتاب.
يوقّر الآلوسي ثقافة الجماعة الحضرية التي يعيش بينها اليوم باستخدام بعض مصطلحاتها اللغوية اليونانية في اختيار عناوين كتبه من مثل نوستوس وتوبوس. وفي ذلك حكاية. فبعد أن صفى مكتبه المعماري في بيروت بسبب الحرب الأهلية في لبنان كانت للآلوسي خيارات عديدة في الانتقال للعمل في أمكنة عديدة، منها الخليج العربي والمانيا، لكنه اختار اليونان، ومدينة أثينا على وجه التحديد. ويبدو أنه اختيار ثقافي، فالحضارة اليونانية تتوسط ما بين الحضارة الأوربية وحضارة بلدان البحر الأبيض المتوسط، والشرق، والشرق الأوسط بوجه خاص. ومدينة أثينا مركز تجتمع فيه الاستعارات الثقافية ومذاقات المطابخ العامرة بالزيت والروائح الطيبة. إنه اجتماع الثقافة مع الحياة وتآلفهما وطرق انتاجهما وديمومتهما معا.. اجتماع تكلله العمارة بوقارها وبروزها في الفضاء مع فنون العمل والعيش. في هذا المكان من العالم وجد الآلوسي المنقّب الممتاز عن المذاقات كفاياته العقلية والجسدية وتطلعاته الذوقية والجمالية.
اذا كانت كلمة نوستوس التي تعني الحنين الى الماضي مفهومة في عمل كتابي تعمل به الذاكرة ومشاعر الشوق، فإن كلمة توبوس تثير بعض التساؤلات. هذا ما وجدته وأنا أقدم الكتاب. فهذه الكلمة تعني المكان، والإحالة الى المكان متوفرة في العنوان العربي الشارح للكتاب مجتمعة مع الزمان، وبالفعل، هناك العديد من الأمكنة في توبوس، مثلما هناك أزمنة، مقاطع من أزمنة، ذاتية وموضوعية، نراها في حكايات متنوعة تنسجم مع المكان تارة أو تتوتر معه أو تصطخب لتحوله في حوادث لا يمكن التحكم بها من قبل فرد أعزل معني بالعيش والعمل.
هذا مفهوم جدا، فنحن نتاج أزمنة وأمكنة، نتاج بيولوجيا مهددة بالمرض والموت، وثقافات وتنشئة اجتماعية يخترقها الزمن، يحولها ويغيرها وقد يقلبها كما يقلب مشاعرنا الاسقاطية إزاء الأمكنة الأم أو أمكنة الاضطرار.
بيد أن توبوس تعني المكان، كما تعني تسجيل المكان باسم أحدهم، إي اسم مالك، صك ملكية. إذن ها نحن إزاء نظام خاص بالتملك، تملك مكان محدد، قطعة أرض أو دار سكن، أو مشغل. إن أقرب معنى لتوبوس الينا هي النسخة العثمانية : طابو!
في العراق ترجم اسم دائرة الطابو باسم دائرة التسجيل العقاري، لكن اسم الطابو ظل عالقا في ذاكرتنا الجمعية. وأنا في مقدمتي لكتاب نوستوس عدت بها الى اصلاحات الوالي مدحت باشا في الستينيات من القرن التاسع عشرالذي أرسى قاعدة تسجيل الملكية في دائرة مستقلة اسمها الطابو، في محاولة لتنظيم المدينة والريف محاولا انهاء النزاعات على ملكية الارض والعقارات. والحال أن اصلاحات مدحت باشا تجاوزت هذا الهدف الى محاولة خلق نخب مدنية غنية عن طريق توزيع الاراضي الزراعية عليها من اجل ربطها بالدولة.
بسبب هذه الإحالة الى التاريخ السياسي والاقتصادي العراقي اقتربت من تأويل يقوم معاذ الالوسي بمقتضاه بتسجيل ملكية الامكنة التي عاش فيها باسمه: أمكنة طفولته وترعرعه، أمكنة عمله، تصاميم عماراته، مواقع العمل، الأزقة البغدادية ودروبها. إنه يقول من دون أن يتبجح أو يخاصم أحدا.. تلك هي حياتي.. تلك هي ملكيتي.. تلك حصتي من العراق.. تلك - بالثلاثة - انتزعتها من مكان أبعدت عنه وجرى تشويهه، ومن زمان انقضى لا يعود.
يبدأ توبوس من الولادة في بغداد وينتهي في لحظة ممزقة، إذ نراه في ليماسول وعيناه وهواجسه تتجه الى بغداد. إنه ليس مخيّرا. لقد انقطع الجسر الواقعي بينه وبين بلده لكن جسر الذاكرة اليقظة ظل ممدودا.
تصلح آخر فقرات توبوس مشهدا من شريط سينمائي يستدعي فيه معاذ، وهو في جزيرة قبرص، الأحداث التي جرت عليه وأودعها في توبوس. إنه هناك لا يعاند عمره المتقدم، بل يقبله بامتنان، ليس خائفا ولا يمتلك الكثير من الأوهام والآمال. إنها لحظة رجل حر، عاش ماضيه الجميل بشغف، غير نادم ولا تأسره قيود الماضي، وأكثر من هذا يمتلك كفاياته : عادات لم تتغير، طعام وشراب كافيين، مواد تلوين للرسم، لابتوب للكتابة، كتب، أصدقاء، ذاكرة جيدة.. وكرسي على البحر الأبيض المتوسط!
(*) تقديم لاحتفال توقيع معاذ الآلوسي لكتابه الثاني (توبوس – حكاية زمان ومكان). عمان 15 تشرين الثاني 2017، قاعة الأورفلي.