TOP

جريدة المدى > عام > امرأة أمام بوابة ريح

امرأة أمام بوابة ريح

نشر في: 13 نوفمبر, 2017: 12:01 ص

بين الذات والمحيط الخارجي في انفصام وصراع

 

لطالما أغلقت عينيها، هرباً من مساوىء بعض أهل هذه الارض، و احيانا في خضم تجربة، كان سلوكها يتذبذب بين الواقع والحلم، مما جعلها تدخل في تأزم مستفحل لثقافة الماضي.
واليوم، وكأنها تنفذ خطة رسمت لها من قبل الآخرين، وشاء القدر أن تعيش حسب ما لا تحب، وكانت هناك دمعة مصلوبة في عينيها بين المضي قدماً وبين الموروث الاجتماعي الذي يجرها للوراء، لذا فهي تقف في المنتصف، يتمدد عليها التعب وتقصيه. هذا لا يقلقها، ولكن ما يقلقها الخوف من القادم والمجهول، وهي تدرك أن المساحة التي تتحرك فيها تضيق تدريجيا لصالح الجهة التي أسست ترسيخا لفكرة أن المرأة محكومة كليا بالقواعد الاخلاقية المستقاة من العادات والتقاليد منذ القدم.
الأنثى تولد إنسانا ثم تصنع امرأة بقوالبهم - الحشمة والعفة والطاعة والمروءة الفارغة- وفي هذا المخاض تتلقى هزائم كثيرة كلما مرت بعملية مخاض تسبقها دوماً هالات مما كان يمنحها القوة أحيانا. إنها تحب نفسها لانها وحدها تعرف صراعاتها وانكساراتها وشاهدة على كل المحطات التي كادت أن تهزمها ولم تفعل
لذا كانت تعوم في بحر متلاطم يريد لها أن يجرها للقاع، لؤلؤة اسكنوها في محارة، تراكمت فوقها الطحالب والأعشاب البحرية ولا تسمع سوى دفقات الموج تدق قشرتها.
غضت النظر وحدقت في الارض بانتظار هبوط المساء فقد أزفت ساعة المغادرة، هل منحها ذلك شعورا طاغيا بما يكفي لاقتراف أية رعونة كانت، للتنفيس عن ضغوطات الكآبة التي تسري في أوصالها... كأنْ تُكوِّر شفتيها وتبدأ بالصفير أو تهرول لمسافات طويلة أو ترقص على حافة رصيف محاطة بشتائم سائقي السيارات معاكسة إشارات المرور وكلما تزداد المشاكسات يزداد تعطشها لرعونة أخرى جديدة، وهي تعرف إن فرصتها في عبور الوهم ضيقة فتعي إن عليها اختبار اللحظة الى منتهاها، بهذه العبثية المتأرجحة بين العدمية والوجودية.
الضياع لا يعني النهاية: هو لذة الخطأ في اختراق المألوف، لم يعد هناك معنى أو مضمون لفكرة تمر الأيام بسلام من خلف النافذة رغم إنها تدرك أن الفراغ لا يعني اللاشيء، بل له معنى في النسق، وإن العبودية سجن للروح، مما جعلها تنفر من فكرة إن الإنسان غير قادر على فعل شيء، وهي الآن تقفز وتغني وتتأمل مصابيح الشارع مصطفة لها كنجوم أرضية.
لم تمتلك إلا أن تتقن الصلافة في المواجهة: نداً لندّ، لتقلل أعراض الضجر والنفور، وتتقن فكرة الانسحاب بهدوء دون أن تترك معالم وجهتها الجديدة وفي أغلب الأحيان تختار بمحض إرادتها، عزلة فسيحة تجوب مع عربة الرغبة، مواطن وعوالم، تؤمن لها جولة قادمة لخطوات عملية تنظم حياتها وأول ما فعلته، رمت خارجَ النافذة ما يعكر حياتها من سموم وأحقاد. كانت، منشغلة بفك طلاسم الغد وحتى تفسِير اللاشيء ومصرّة –بيقينٍ أشبه بتعويذة - أنها ستنقلبُ في النّهاية الى لغز عظيم لمن لا يحسّن التفسير ويقلبُ موازين المنطقِ ويحدق بها البشر طويلاً دونَ أن يدركوا ما هو.
حبها للحياة صار أقوى لتتطابق صورتها بحقيقتها الكاملة دون مواربة. انها حتما ستصل لمرحلة لا تخاف من شيء،وسترد بقوة لمن يقف عثرة في طريقها وستصل الى مرحلة لا تستطيع تفضيل أحد على نفسها أو راحتها. شكلت حياتها تشكيلا لونياً وذا معنى، مثل تلك السيدة التي التقت بها في محطة قطار، وهي في السبعين من عمرها: كانت تحمل حقيبة ثقيلة، عرفت منها انها أدوات وموديلات دراسة النحت الذي تخصصت فيه هذه السنة، ومن ذلك الحين نمت بينهما صداقة عميقة في معنى إن الحياة تتجدد من خلالنا وكل يوم هو سفر لوجهة نحن نختارها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. نبيل تومي

    ألله على هذا النص الأدبي الرائع أتمنى أن تستطيع المرأة كسر تلك الباب دون خوف وتعبر إلى الجهة الثانية بعزم وإرادة وثقة بالنفس كمـا أعرف ذلك لدى الكثيرات من زميلاتي الأوربيات وصديقاتي فهن لا يمتهنن الخنوع أو الدمعة والحزن فقد شبعوا منهـا لقرون عتيقة خلت وعر

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة
عام

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

د. نادية هناوي جددت المدرسة الانجلو أمريكية في بعض العلوم المعرفية كعلم النفس اللغوي وفيزياء الأدب وعلوم الذكاء الاصطناعي أو أضافت علوما جديدة كانت في الأصل عبارة عن نظريات ذات فرضيات أو اتجاهات كعلوم...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram