هناك من يقول إن وراء كل عبقري إمرأة ، وربما يصح هذا الكلام بالنسبة لكثير من العباقرة في مختلف الأزمان ، وقد اعترف حتى إيفان تورجينيف بإنه كتب جميع رواياته بعد علاقة عشق كانت تسيطر على جميع حواسه وأفكاره. ولكن علاقة الكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي بزوجته الكونتيسة صوفيا اندرييفنا كانت علاقة من نوع آخر،وتبدو مأساوية لحد ما فيما يخص حياتها معه على مدى نصف قرن. وقد كتبت صوفيا في عام 1923 تقول : "ليسامحني الناس لكوني ، ربما ، لم أكن قادرة على أن احمل على كتفي الضعيفة في أعوام الشباب عبء المسؤولية الرفيعة وأن أكون زوجة عبقري وإنسان عظيم".
لقد نشأت صوفيا اندرييفنا ، في شقة والدها أندريه بيرس في الكرملين، إذ كان طبيب الأسرة القيصرية، ولذا عاش مع عائلته هناك. وقد تلقت صوفيا تعليما جيدا، مثل جميع الفتيات في الأسر الارستقراطية ،فكانت تجيد ثلاث لغات ( الفرنسية والالمانية والانكليزية) وكذلك العزف على البيانو ، وتمتعت بثقافة رفيعة . ولهذا فعندما تقدم لخطبتها الكونت ليف تولستوي في عام 1862 وكانت قد بلغت سن 18 عاماً ، وتم زواجهما في أيلول من العام نفسه، أصبحت بين ليلة وضحاياها تحمل لقب كونتيسة ونسبت الى عائلة تولستوي الشهيرة والمقربة من البلاط القيصري برجالاتها من قادة الجيش ورجال الدولة البارزين . وهكذا أصبحت صوفيا تولستايا زوجة ليف تولستوي الذي ذاع صيته في تلك الأيام كأديب شاب موهوب راح ينافس حتى إيفان تورغينيف في الشهرة. كما إن المجتمع الروسي كان يكرمه لدوره في حرب القرم حين كان ضابط مدفعية وحاز على نوط الشجاعة والكثير من الأوسمة والميداليات. حتى أن القيصر الكسندر الثاني أوصى المسؤولين برعايته.
وكان فارق السن بين الزوجين كبيرا اذ كان ليف قد تجاوز سن 34 عاما.وكابد المشاق في الحياة من الإفلاس بسبب الخسارة في لعب القمار ومعاشرة أفراد لا يعرفون سوى اللهو والقصف ومعاشرة الغجر، ومن ثم الاعتكاف في الضيعة الموروثة عن ابيه والمعروفة بإسم " ياسنايا بولايانا". ولهذا كانت صوفيا تنظر الى زوجها بإعجاب ومنحت كل مشاعرها وقدراتها الثقافية له ولعمله الأدبي. وبقيت طوال حياتها تستنسخ وتعيد إستنساخ رواياته ومسرحاتيه وكتبه ومقالاته وتتولى حتى إعطاء بعض الملاحظات لتغيير أقسام معينة منها. فمثلا إنها أعادت إستنساخ رواية " الحرب والسلام " ثلاث مرات ، وجادلته بحدة لدى كتابة رواية " سوناتا كريتسر"..وإعتبرت عملها المجهد ذاك بالاضافة الى واجباتها كأم لثلاثة عشر فردا من أولاد وبنات (توفي أربعة منهم في الصغر) أمرا يمليه وضعها كزوجة لرجل عبقري. كانت صوفيا اندريفنا بمثابة السكرتير الشخصي لعمل زوجها الأدبي والإداري . فكانت تراجع الدوائر القانونية بشأن تسجيل الممتلكات ودور النشر بصدد نشر مؤلفات زوجها وترتاد الأسواق لشراء الحاجيات للأسرة ، ولبيع المحاصيل والاخشاب المنتجة في الضيعة . كما كانت تتحمل العبء الأكبر في تربية الأطفال .وجاء ذلك لإيمانها بدور زوجها الفذ في المجال الثقافي ووجوب إتاحة المجال له للإنصراف الى التأليف.
حقا إن موقفها من تولستوي قد تغير بمرور الأعوام فكانت تدعوه في يومياتها المبكرة ب" ليوفوتشكا "، وهي لفظ التحبب من إسم ليف، لكن بعد ذلك صارت تدعوه ب" ليف نيقولايفتش" وهي إسلوب الخطاب الرسمي لدى الروس حيث يذكر إسم الشخص وأبيه.ويرتبط هذا التغير بتوقف تولستوي 25 عاماً الأخيرة من حياته عن ممارسة النشاط الأدبي ، وصار يهتم بالدراسات الفلسفية والدينية التي جلبت نقمة السلطات والكنيسة عليه حتى أقدم السنودس المقدس للكنيسة الارثوذكسية على إعلان تحريمه ، ولهذا تم دفنه بعد وفاته في الغابة في ضيعته، وليس في المقبرة التابعة للكنيسة ، وليس وفقا للطقوس الكنسية.زد على ذلك إن أقدامه على التخلي عن ممتلكاته وحقوق نشر مؤلفاته ، وتغيير إسلوب تفكيره ومعيشته حيث صار يحرث الأرض بنفسه ويعيش كالفلاحين الفقراء ويأكل الخبز وحده مع الشاي، وطلب من أفراد عائلته أن يحذوا حذوه ، قد إنعكس بصورة سلبية على علاقاته مع زوجته وعائلته عموما. إن " الفكرة التولستوية " التي إبتدعها وإنضم إليه الكثير من إلاتباع، الذين وصفتهم زوجته ب " السفهاء"، بسبب تدني مستواهم الثقافي، كانت ذات طابع مثالي يصعب تطبيقه في الحياة آنذاك . فالانسان العادي يحتفظ بغرائزه كالجشع والرغبة في التملك ولو على حساب الغير والسعي الى السيطرة على المرأة كرفيقة فراش فحسب وغير ذلك من الصفات ، كان لابد أن تظهر إن عاجلا أو آجلا في سلوك حتى أتباع تولستوي . بالاضافة الى أن المجتمع الروسي عموما لم يكن مستعدا لقبول فكرة أن يعيش جميع الناس بلا ممتلكات ومناصب لكي تسود في المجتمع العدالة والمساواة ، وهي عقيدة جان جاك روسو الذي تأثر تولستوي كثيرا بأفكاره. علما إن جولة تولستوي في بلدان أوروبا قد تركت انطباعات سلبية لديه ، لاسيما حين شاهد إعدام احد المجرمين بالجيلوتين في إحدى ساحات باريس. وأعتبر الشعب الروسي وتقاليده أكثر مصداقية من حيث رفض العنف ومحبة القريب وغير ذلك من المبادئ المسيحية. لذا سرعان ما إنهارت " الحركة التولستوية " بعد ملاحقة السلطات لأفرادها وهروب تشيرتكوف الساعد الايمن لمؤسسها الى بريطانيا مع جميع أرشيف الكاتب.
وتحتل قصة لجوء صوفيا اندرييفنا زوجة الكاتب الى القيصر الكسندر الثالث راجية رفع الحظر على نشر المؤلفات الكاملة لتولستوي صفحة مهمة من سيرة حياة تولستوي إذ عكست مدى وفاء المرأة لزوجها وحرصها على الدفاع عنه. فقد إعتكف تولستوي بعد فرض الحظر على مؤلفاته في ضيعته "ياسنايا بوليانا" ولم يرغب في عمل أي شيء. عندئذ إستغلت زوجته(سكرتيرته) صلاتها العائلية في البلاط من أجل مقابلة القيصر( بالرغم من معارضة تولستوي لهذه الفكرة ) لكي تقنعه بأن رواية " سوناتا كريتسر" والأعمال الأخرى الأخيرة المحظورة من مؤلفات زوجها لا تشكل أي خطر على الأمن العام ، وأن الموظفين في وزارة الداخلية بالغوا في تصوير هذا الخطر. وفعلا نجحت في نهاية المطاف في لقاء القيصر الذي وصفت وقائعه في يومياتها لاحقا. وكتبت في يومياتها تقول:
في الساعة 11 مساء ، وكنت قد أويت الى فراشي قبل لحظات ، وردت رسالة قصيرة من قريبتي زوسيا بأن القيصر يطلب مني عبر الأميرة شيريميتيفا هذه المرة بالمجئ في اليوم التالي في الساعة الحادية عشرة ونصف صباحا الى قصر انيتشكوف.
وإنطلقت الى هناك في الساعة الحادية عشرة والربع. كان قلبي يدق بنبض ضعيف حين ولجنا باحة قصر انيتشكوف. وقابلني الجميع عند البوابة بتحايا الإحترام ، وأجبتهم بإنحناءة. وعندما دخلت الدهليز وسألت الحاجب فيما إذا أمر القيصر بإستقبال الكونتيسة تولستايا ؟ أجاب بالنفي. وسألت آخر فكان الجواب بالنفي أيضا . وعندئذ تم إستدعاء ساعي القيصر . فجاء شاب أنيق المظهر يرتدي بدلة قرمزية مطعمة بالذهب ، وعلى رأسه قبعة ثلاثية عريضة . فسألته : " هل يوجد أمر من القيصر بإستقبال الكونتيسة تولستايا؟". فأجاب :" طبعا ، تفضلي ، ياصاحبة السعادة ، لقد عاد القيصر لتوه من الكنيسة وسأل عنك". وكان القيصر قد شارك في ذلك اليوم في طقوس تعميد الأميرة المعظمة يلزافيتا فيودوروفنا التي تحولت الى العقيدة الأرثوذكسية. إنطلق الساعي الى الاعلى فوق سلم شديد الانحدار مغطى بسجاد أخضر ساطع غير جميل . وأنا أتبعه . كنت أهرول بسرعة لا تتناسب مع قواي ، وحينما إنحنى الساعي وإنصرف وجدت نفسي في صالة الاستقبال ، فشعرت بتدفق الدم بعنف الى قلبي ، مما جعلني أفكر بأنني سأموت فورا. كنت في حالة نفسية فظيعة. وكان أول ما خطر ببالي إن قضيتي لا تستحق حياتي : وسيأتي الساعي الآن ليدعوني الى مقابلة القيصر ، فيجد جثة هامدة أو أنني لن أستطيع التفوه بكلمة واحدة . إن القلب يدق بعنف بحيث لا أستطيع التنفس والنطق أو الصراخ. بعد أن جلست قليلا أردت أن أطلب قدح ماء من أحد ما لكنني لم أستطع ذلك. وعندئذ تذكرت إن الجياد حين تنطلق بها بسرعة لحد الإجهاد يجري إقتيادها بطء لكي تستعيد قواها . فنهضت من الديوان وأخذت أمشي بهدوء. لكن لم تصبح حالتي أفضل. جلست مجددا وصرت أفكر بأبنائي ، وكيف سيتلقون نبأ وفاتي. ولحسن الحظ فان القيصر حين علم بأنني لم أصل بعد إستقبل شخصا آخر ، وتوفر لدي ما يكفي من الوقت لكي أستعيد أنفاسي وأستريح. فتمالكت نفسي وأطلقت زفرة ، وفي هذه اللحظة عاد الساعي مجددا وأعلن :" صاحب الجلالة يدعو سعادة الكونتسية تولستايا إليه". فتبعته . ولدى بلوغ مكتب القيصر إنحنى وإنصرف. إستقبلني القيصر عند الباب ، ومد لي يده ، فإنحنيت ، بإيماءة خفيفة ، فنبر قائلا:
- أرجو المعذرة ياكونتيسة لكوني أرغمتك على الانتظار طويلا، لكن نشأت ظروفف جعلتني لا أستطيع ذلك من قبل.
فأجبته بقولي:- أنا في غاية الإمتنان أصلا لكون جلالتكم قد تفضلتم بإستقبالي.
ثم بدأ القيصر يتحدث بكلمات لا أتذكرها عن زوجي، وبصدد ماذا أطلب منه بالذات.
وشرعت في الحديث بكل ثبات وهدوء:- ياصاحب الجلالة ، في الفترة الأخيرة بدأت ألاحظ في زوجي ميلاً الى الكتابة الادبية كالسابق، وقد قال لي منذ فترة قريبة :" إنني إبتعدت كثيرا عن أعمالي الدينية – الفلسفية ، بشكل يجعلني أستطيع كتابة عمل أدبي ، ويتولد في رأسي من حيث الشكل والحجم موضوع يشبه رواية " الحرب والسلام". لكن تزداد المواقف المتحيزة ضده أكثر فأكثر. فمثلا جرى حظر المجلد 13 ، ومنعت مسرحية " ثمار التنوير " ، ولو أنه الآن أعطي الأمر بتقديمها في المسارح الامبراطورية... كما منعت " سوناتا كريتسر".
فعقب القيصر على ذلك بقوله:
- للأسف إن شكل هذه الرواية متطرف جدا ، لدرجة إن المرء لا يمكن أن يعيطها لأبنائه لقراءتها ..
فقلت: حقا إن شكل هذه القصة متطرف جدا ، لكن الفكرة الأساسية هي أن المثل الأعلى بعيد المنال دوما. وإذا وضع المثل الأعلى بشكل عفيف للغاية ، فان الناس سيكونون عفيفين في الحياة الزوجية.
وأذكر بأنني عندما قلت للقيصر إن ليف نيقولايفتش يميل كما يبدو الى ممارسة النشاط الأدبي ، قال القيصر:" آه ، كم سيكون ذلك حسنا ! فهو كيف يكتب ، ما أروع ما يكتب"!.
وبعد أن حددت المثل الأعلى في " سوناتا كريتسر " أضفت قائلة:
- كم أكون سعيدة لو رفع الحظر على " سوناتا كريتسر " في الأعمال الكاملة. سيكون ذلك موقفا رحيما إزاء ليف نيقولايفتش ، ومن يدري ، فلربما إن هذا يمكن أن يشجعه جداً على العمل .
فقال القيصر تعقيبا على ذلك: - نعم يمكن السماح بنشرها في الأعمال الكاملة ، فلا يستطيع كل فرد شراءها ، ولا يمكن نشرها على نطاق واسع.
أنني لا أتذكر متى أعرب القيصر في سياق المحادثة عن أسفه لإبتعاد ليف نيقولايفتش عن الكنيسة. فقال:- ثمة كثير من الهرطقة الناشئة لدى بسطاء الناس وتؤثر فيهم تأثيراً ضاراً.
فقلت بهذا الصدد:- بوسعي أن اؤكد لجلالتكم بان زوجي لم يبشر أبدا بين الناس في أي مكان وبأي شيء . إنه لم يقل كلمة واحدة الى الفلاحين الموجيك ولم يروج لأي شيء في مخطوطاته، بل أنه غالبا ما يتألم لكون الآخرين ينشرونها. فمثلا ، أن أحد الشباب سرق مرة مخطوطة من حقيبة زوجي ، وإستنسخ بعض يومياته . وبعد مضي عام راح يطبعها بطريقة الليثوغرافيا ويوزعها.( قلت ذلك من دون أن أذكر إسم نوفوسيلوف وفعلته مع قصة " نيقولاي بالكين").
فدهش القيصر وقطب وجهه:- هل هذا ممكن! ما أشنع ذلك ، هذا فظيع فحسب. أن كل إنسان يستطيع أن يدون في يومياته ما يريد، لكن سرقة المخطوطة – هذه فعلة شنعاء للغاية!
وبعد ذلك سألني القيصر عن موقف الأبناء من تعاليم الأب ؟ فأجبت بإنهم لا يستطيعون إتخاذ موقف من القواعد الأخلاقية الاسمية لأبيهم غير الإحترام ، لكنني أرى من الواجب تربيتهم في عقيدة الكنيسة ، ولهذا إلتزمت مع أبنائي بالصيام وإرتياد الكنيسة ، ولكن في تولا ، وليس في القرية ، لأن القسس عندنا ، الذين يجب أن يكونوا آباءنا الروحيين ، قد تحولوا الى جواسيس يكتبون الوشايات الكاذبة عنا.
فقال القيصر معلقا على ذلك :" لقد سمعت بذلك".
وفي الختام أقدمت على القول:- يا صاحب الجلالة ، إذا ما عاد زوجي الى التأليف الأدبي وسأتولى أنا نشر مؤلفاته ، سأكون سعيدة للغاية إذا ما كان الحكم على أبداعه يتم بإرادة جلالتكم شخصيا.
فأجاب القيصر قائلا :سأكون في غاية السرور ، فإرسلوا مؤلفاته لي مباشرة للاطلاع عليها.
إطمئني فسيتم تدبير كل شيء. أنا سعيد جدا.
وبهذا اللقاء يتضح موقف القياصرة من الأدباء والشعراء الروس ، فقد كان القيصر نيقولاي الأول بقوم بدور" الرقيب " لأعمال بوشكين . ونادراً ما كان القياصرة يتدخلون في تغيير مواضيع الأعمال الأدبية والفنية وحتى تغيير العناوين أحيانا كما جرى لأوبرا"ايفان سوسانين" للملحن ميخائيل جلينكا ،والتي غير القيصر عنوانها الى " تضحية بالذات من أجل القيصر". ولكن صوفيا اندرييفنا أرادت حماية زوجها من ملاحقة السلطات بأية وسيلة حتى لو بلغ الأمر اللجوء الى القيصر ، بالرغم من الخلافات بينها وبين زوجها بشأن مستقبل أولادها وتخليه عن النشاط الأدبي، والذي كان يهتم حسب رؤيته الفلسفية – الدينية بمصائر الشعب كله وليس بأفراد عائلته فقط.