TOP

جريدة المدى > عام > شهادة في رواية (ظلال جسد، ضفاف الرغبة) لسعد محمد رحيم

شهادة في رواية (ظلال جسد، ضفاف الرغبة) لسعد محمد رحيم

نشر في: 18 يناير, 2018: 12:01 ص

تلعب دور البطولة في رواية (ظلال جسد، ضفاف الرغبة)* لسعد محمد رحيم شخصية نسائية هي (رواء العطار) وتحمل كل أدوات الإغراء و الخداع. و من ذلك الكذب و التلفيق و التمثيل و اللعب بالجسد كأحبولة أخيرة.

 

 

ولكن بوسعي أن أقول: إن رواء العطار ليست شخصية جديدة في عالم رحيم. وهي وريثة كل الشخصيات الحائرة السابقة، التي تراوغ عالمها، ولا تستطيع أن تدرك حقيقة ولا جوهر وجودها الفردي داخل المجتمع. إن كل شخصيات سعد رحيم مجبولة من نفس المادة وتضغط بنفس الاتجاه. فهي تكاد لا تعرف نفسها، فكيف ستعرف غيرها؟. ولا تجد أي فرق بين الكابوس وواقع الهزيمة العسكرية والسقوط النفسي.

فبطل قصة (الهرب من السراديب) لا يعرف هل ما يرى رشاش أم هراوة أم أنه شيء وهمي غير موجود؟. وبالاستطراد كل أبطال مجموعة (تحريض) متورطون بعالم قوامه الوهم. فهم تقنياً مجرمون، لا يتورعون عن ارتكاب الفواحش والقتل العمد. لكن لا يمكن أن تفهم هل الهدف هو الانتحار أم إطلاق النار على أطياف وخيالات. لأن كل الشخصيات إفتراضية إذا ابتعدت عن "أنا" المتكلم، وهو بطل القصة وكاتبها في وقت واحد.

وهذا يساوي بينهم (نفسياً) وبين رواء العطار (مادياً). لكن الطرف الأول وهمي والثاني تمثيلي. بتعبير آخرهما تجريد وإسقاط.

ويترافق ذلك مع تجزيء لهيكل الحكاية الأساسي. فهو لا يتطور بشكل متسلسل ولكن تتخلله فراغات. كما أن بعض الوحدات السردية تتكرر. فيعود الحدث بصيغته دونما إضافة، وتتكرر بعض الجمل والعبارات.

للتأكيد؟.

ربما.

لكنه تكرار هوسي وسريري. ويتحكم به النسيان قصير الأجل أو الشك بالغاية المرجوة. ولطالما كان التكرار نوعاً من التعبير القهري في تصوير الرغبة وفرض عودتها إنما بشكل غير عضوي ولا متماسك1. وهو تعبير ذاتي عن موضوعات أساسية مثل الخوف من الفشل، فالإنسان لا يكرر إلا الأحداث المؤسفة أو الصعبة التي تمر به 2.

مع ذلك تنفرد رواية (ظلال جسد) عن كل ما سواها أنها تستعيد دورة حياة بطلتها الوهمية (رواء)، ولا تسعى لتكرار مفردات أو مفاهيم. فأعمال سعد رحيم تحتلها صيغ تعود دائما، سواء على مستوى المفردات والمعاني والأفكار. ناهيك عن التكرار المعكوس (نفي السابق بنقيضه). إنما في هذه الرواية تأخذ دورة الحياة شكلاً لا متناهيا. فالرواية تدور حول محورها لترسم عدة دوائر متطابقة دون نهاية. حتى أن ارتكاب المحظور ينقصه الابتكار. فالجرائم متشابهة، وأداة الجريمة غرفة النوم وجسد المرأة.

تندرج هذه المحطة من حياة سعد رحيم ضمن مشروع الواقعية الجديدة. حيث أن الرأس واقعي والقلب حديث. فهي تهتم بتبسيط مجريات ووقائع الأحداث، وتقريب الشخصيات من حياتنا اليومية، والابتعاد ما أمكن عن التلاعب باللغة. ولكن شمس الحقيقة لا يمكن أن تتطور بسهولة. فإدراكنا لدقائق الأمور في واقع متدهور تحكمه الوسائط المتعددة للمعرفة. وعلى هذا الأساس كان الأسلوب ميسراً وفي نفس الوقت يتألف من ألغاز غامضة. وكانت وظيفة التكرار هي في حل غموض الألغاز المستعصية. وطبعاً ليس بدافع الفضول، أو حباً بالمعرفة ولكن خوفاً من المجهول. وهذا هو تفسير فرويد لوظيفة التكرار، إنه يدرأ المؤجل بتسريعه ولو في مجال المساحة النفسية والتوقعات.

وتبقى ملاحظة أخيرة.

لقد كانت شخصية رواء سلسلة لامتناهية من الجيوب المغلقة أو الأسرار. الصندوق الأسود بالتعبير الدارج. وتفسيرها موجود في اعترافات قرينها أو نصفها المذكر سعيد العطار. فهو مثلها يشك بواقعه ويهرب من ذاته. ويكاد أن يقر أن حياته مجرد استيهامات وأحلام يقظة.

نعم هي مؤلمة بدرجة انحدار الواقع وتدنيه وفساده، غير أن الورقة التي يكشفها سعيد هي نفس الورقة التي تحجبها رواء. إنهما من طينة واحدة وحجرة واحدة. يعيشان في عالم تصنعه الرغبات ويحدوه الخيال. ومحركه هو الهروب. وأهم قرينة عنوان قصة سعيد.

عموما نوع الهروب وأساليب التعبير عنه تختلف من شخص لآخر. فما بالك لو أنهما مذكر ومؤنث. المرأة تستعمل سلاحها الأساسي وهو الغواية. بمعنى أن قانون اللعبة هو: وهم بالعطاء وخديعة بالحيازة. في حين أن الرجل يدخل في قوقعته. وكان سعيد من أول سطر في قصته الطويلة مستلقياً على الأرض ينزف ويتخيل. والأعراض السريرية للانهمام بالذات كلها موجودة. تسارع في دقات القلب، مشاهد ضبابية ولا يمكن التثبت منها، ارتفاع في الحرارة، اللهاث، التعرق، الغزل الخليع. هذا بالإضافة لذكر كلمة ""يد" عشرات المرات، ووصف رموز قضيبية في حالة انتصاب كالرشاش والسوط.

لا أعتقد أن سعد رحيم قدّم بمنطق الدائرة شهادة عن دورات العنف المتكرر في تاريخنا المعاصر. وإنما كان يسجل شهادة عن دورة الانتاج والاستهلاك، أو دورة الغرائز.. حياة وهمية وموت مؤكد. وأجزم أن منطقه تغلب عليه فلسفة تهديم البنية الفوقية (الظاهرة) وسياق اللغة. وتجد أدلة كثيرة في مجمل أعماله على هذا السلوك. فالحرب والجو العسكري ليسا أصليين لديه، وهما على الأحرى أصداء لحقيقة تفكيره التجريدي. حتى أن أزمة اليورانيوم المخصب في حرب الخليج تحتل مساحة على الهامش في (ترنيمة امرأة). فقد سخر هذا العمل للإعراب عن رغبته للعودة إلى منبع الحكمة، وهو الغرب. فرحلة بطل الرواية سامر إلى روما اختيارية، لكن عودته مفروضة. وأشواقه لكلوديا تصل لمرتبة مرض النوستالجيا أو الحنين المزمن، بينما ذكرياته عن زوجته المرحومة لا ترقى ولو لمرتبة ظل أو خيال.

و بالنتيجة، و بالعودة لـ (ظلال جسد) نجد أن الدائرة التي تدور فيها الأحداث هي تنويعات على فكرة السقوط من الجنة. فالعذاب منشأه الحرمان من السعادة. و لم تسجل الرواية إدانة لمخالفات رواء ولكن هناك تحسر على اختفائها كرمز من رموز النعيم.

إذا كانت هذه الرواية نتاج عقل كلاسيكي لقلت إن الخطوط الثلاثة (الروائي، والسارد العليم بما تخفي الصدور كأنه إله أو خالق حقيقي، والأصوات التي لها قيمة رموز أو استعارة مكنية)، تنتمي لعالم التصورات والمثل الأفلاطونية، والتي تتألف من صورة مرفوعة وصورة جزئية ومعنى مادي.

ولكن سعد رحيم أبعد ما يكون عن المذهب الكلاسيكي بكل ألوانه، حتى أن حداثته لا تدخل تحت عنوان الحداثة الكلاسيكية التي أكل الدهر عليها وشرب. إنه لا يسبح في مياه النهر مرتين. وتوجد انعطافات حتى في كل خط من الخطوط السابقة. فاللغة والصور والمنطق تتبادل الأدوار فيما بينها وذلك لتحقيق الهدف المنشود: استكمال المعنى وإغلاق الدائرة على الأفكار.

لقد كانت الرواية تجريبية، مثل قصة "الهروب من الدهاليز"، بكل معنى الكلمة. ما تبدأ به لا تنتهي إليه. وللتوضيح أيضاً. إذا كانت البداية مع علاء ورواء العطار في مكتبة الجامع، إن النهاية تكون مع علاء متحول ومع امرأة لا نعرف عنها شيئا محددا، وكأنها صورة عن هذا العالم الذي ينقصه الإيمان أو الرسالة أو المبدأ.. العالم اللاأدري الخائن لنفسه والمنقلب على وصاياه، عالم "الوصايا المغدور بها" على حد تعبير ميلان كونديرا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد:أريش فولفغانغ كورنغولد

صورة سيفو في مرآة الوهايبي

"مُخْتَارَات": <اَلْعِمَارَةُ عِنْدَ "اَلْآخَرِ": تَصْمِيمًا وَتَعْبِيرًا > "لِوِيسْ بَاراغَانْ"

"حماس بوينس آيرس" أول مجموعة شعرية لبورخس

علي عيسى.. قناص اللحظات الإبداعية الهاربة

مقالات ذات صلة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت
عام

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

أدار الحوار: مارسيلو غلايسر* ترجمة: لطفية الدليمي ما حدودُ قدرتنا المتاحة على فهم العالم؟ هل أنّ أحلامنا ببلوغ معرفة كاملة للواقع تُعدُّ واقعية أمّ أنّ هناك حدوداً قصوى نهائية لما يمكننا بلوغه؟ يتخيّلُ مؤلّف...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram