TOP

جريدة المدى > عام > الكاريكاتير في الأدب.. الكاتب يرجو إصلاح العيوب بالسخرية منها!

الكاريكاتير في الأدب.. الكاتب يرجو إصلاح العيوب بالسخرية منها!

نشر في: 15 يناير, 2018: 12:01 ص

يمثّل الهجاء satireتقنيةً يستخدمها الكاتب لكشف وانتقاد حماقة الفرد أو المجتمع عن طريق الدُعابة، أو التهكم، أو المبالغة، أو السخرية. والقصد منها ببساطةٍ تحسين السلوك الإنساني من خلال انتقاد ما فيه من حماقات ونقاط ضعف. ويستخدم الكاتب في الهجاء شخصيات خيالية ، ترمز لأناس حقيقيين، من أجل فضح وإدانة ما يتّسمون به من فساد.

 

 

وقد يتوجّه الكاتب بالهجاء نحو شخص، أو بلد، أو حتى العالم كله. وعادةً ما يكون ذلك في قطعة هزلية من الكتابة تهزأ بالفرد أو المجتمع للكشف عمّا فيه من غباءٍ ومواطن ضعف أو تقصير. وهو، إضافةً إلى هذا، يأمل في أن يقوم هؤلاء، الذين ينتقدهم، بتحسين سلوكياتهم عن طريق التغلب على ما لديهم من ضعف.

والهجاء والسخرية مترابطان. وتعني السخرية الاختلاف ما بين ما يقال أو يُفعل وما يُقصد به فعلياً. ولهذا يستخدم الكتّاب السخرية بشكل متكرر ليشيروا إلى النفاق والسُخف الذي يُبتلى به الأفراد والمجتمع وينتقدونهما عن طريق السخرية من ذلك.

ومعظم رسوم الكاريكاتير التي نشاهدها يومياً في الصحف والمجلات أمثلة على هذا. وهي تنتقد، بين أمور أخرى كثيرة، بعض أفعال السياسيين الراهنة بطريقة هزلية.

كما أن هناك برامج تلفزيونية تستخدم الهجاء أيضاً وتستهدف ما يراه معدّو هذه البرامج وجهات نظر سياسية واجتماعية غبية. ويمكننا الاستشهاد هنا، كمثال على ذلك، بعيّنة من الهجاء الاجتماعي الذي يقدمه الكاتب والكوميدي الأميركي ستيفن كولبرت في برنامجه "تقرير كولبرت"، حيث يقول: " إذا كانت هذه الأمة ستكون أمة مسيحية لا تساعد الفقراء، فإما أن علينا التظاهر بأن يسوع كان مجرد واحد أناني كما هي حالنا، أو أن علينا الإقرار بأنه أوصانا بأن نُحب الفقراء وأن نخدم المحتاجين من دون شرط فنعترف هكذا بأننا فقط لا نريد أن نفعل ذلك."!

وهناك الكثير من الأمثلة في هذا الإطار على الصعيد القصصي، أيضاً. فنجد الكاتب الأميركي مارك توين ( 1803 ــ 1890) في Huckleberry Fin”"، مثلاً، يستخدم الهجاء كأداة لنشر أفكاره وآرائه بشأن العبودية، والطبيعة البشرية، وقضايا أخرى كثيرة ابتلي بها المجتمع الأميركي آنذاك، كما في قوله:

[ "ما الفائدة من تعلّم أن تعمل بشكل صحيح، حين يكون من المزعج أن تعمل بشكل صحيح وليس هناك من مشكلة في أن تعمل بشكل خاطئ، والأجور هي نفسها بالضبط؟"]

بينما نجد الشاعر الانكليزي ألكسندر بوب (1688 ــ 1744) يهجو في قصيدته "اغتصاب خصلة الشَعر" الطبقة الوسطى العليا في إنكلترا القرن الثامن عشر. وينتقد غرور السيدات المتأنقات الشابات والرجال "الجنتلمان" وما تتّسم به تصرفاتهم من طيش. فيقول عن بيليندا بعد فقدانها خصلة شعرها:

[ سواءٌ كانت الحورية ستخرق قانون الإلهة دايانا،

أو أن تصاب جرّةٌ صينية رقيقة بصدع،

أو تلطخ شرفها، أو رداءها المطرز الجديد."]

والبيت هنا يسحر من الطبقة المتأنقة في ذلك العصر، حيث كانت ترى الأمور التافهة مساوية للأمور المهمة. وهكذا يُصبح فقدان بليندا لفضيلتها مساوياً لتصدّع جرّة صينية.

وتُعد (أسفار غلفر) للكاتب الانكليزي الأيرلندي جوناثان سويفت (1667 ــ 1745) واحداً من أروع الأعمال الهجائية في الأدب الانكليزي. وسويفت يهجو هنا على نحوٍ قاسٍ السياسة، والدين، والثقافة الغربية. وينتفد بسخرية لاذعة السياسة الحزبية في إنكلترا آنذاك، حيث يتنازع المشهد السياسي حزبان لا يميّز بينهما سوى حجم الكعوب التي بأحذية أعضائهما فقط!

ولم يكن هدف هؤلاء الكتّاب وأمثالهم من سخريتهم تلك إضحاك الناس على الأشخاص أو الفِكر التي يهزأون بها. فقد كان القصد منها تسخين الرأي العام وتغيير أراء أفراده فيما يتعلق بأحوال الفساد السائدة في المجتمعات، كما جاء آنفاً.

عن: Literary Devices

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

نص ونقد.. العبور والانغلاق: قراءة في قصيدة للشاعر زعيم نصّار

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

مقالات ذات صلة

يحيى البطاط: الشعر والرسم طريقان لمعرفة العالم، أو لتسكين الذات
عام

يحيى البطاط: الشعر والرسم طريقان لمعرفة العالم، أو لتسكين الذات

حاوره علاء المفرجي الشاعر والرسام العراقي، يحيى البطاط خريج جامعة البصرة تخصص رياضيات، حائز على جائزة الصحافة العربية عام 2010، يقيم منذ العام 1995 في الإمارات العربية المتحدة، وأحد مؤسسي مجلة دبي الثقافية، ومدير...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram