TOP

جريدة المدى > عام > سعدي عبد اللطيف.. وفاء الصداقة وشهامة الإنسان

سعدي عبد اللطيف.. وفاء الصداقة وشهامة الإنسان

نشر في: 8 يناير, 2018: 12:01 ص

في يوم الخميس (17 آب 2017) كنا على موعد في مقبرة "جنائن السلام" الواقعة شرق لندن، لتشييع جثمان الصديق والكاتب المبدع سعدي عبد اللطيف الذي دفن رفاته شلة من الأصدقاء والرفاق والمحبين. لقد خطف الموت سعدي (14 تموز 2017) بعد معاناة طويلة مع المرض الذي لم يرحمه. قلة في الحياة من أمثال سعدي، وأقل من هؤلاء من يشبهونه في الوفاء. متميز بين أقرانه بصفاته الفريدة من طيبة ومحبة ونكران ذات. غادر هذه الدنيا دون أن يأخذ منها شيئاً، بعد أن فاض في العطاء والتضحية، وسعى لمد يد العون للآخرين دون تفكير او تردد. كانت واحدة من سعادته ان يصنع شيئا من اجل الناس، سواء كانوا أصدقاء او من غير الاصدقاء.

منذ اليوم الأول الذي تعرفت عليه، كان النبل ونكران الذات، أولى اكتشافاتي لشخصه، والشهامة وخدمة الناس، أهم صفاته. مناضل من طراز خاص، استخدم معرفته للغة الانجليزية في الجانبين الانساني والمعرفي، بشكل عطاء لا يتوقف، فساعد من ساعد من الاصدقاء والمعارف وترجم أشياء كثيرة مفيدة ومهمة في الأدب والسياسة والفكر والفلسفة.
صدمني رحيله، وعز علي غيابه، وأوجعني فقدانه، فقد شكل رحيله خسارة مؤلمة، شاركني الكثير من المسرات والمصائب، وتقاسمت معه أياماً صعبة، وظروف قاسية. ذكرني فقدانه بايام تعرضنا لمطاردة نظام البعث واجهزته الامنية ومنظماته الكثيرة الاسماء والمتعددة العناوين.
كنت وقتها محاصراً في محيط العاصمة (بغداد) اتنقل من مكان الى آخر بحذر شديد، وقلق مستمر، من هور رجب، حيث يقطن بعض أقاربي الى عرب الجبور فالدورة، ثم بسماية وجسر ديالى حيث يقطن أخوالي، الى غرب العاصمة (ابو غريب) ومنها الى القصر (اليوسفية) ثم الكرخ، وبعدها الى الفلوجة، فالبوكمال (السورية) وقبلها منطقة الجزيرة الواقعة في أعالي نهر الفرات.
لقد واجهتنا صعوبات كثيرة في تلك الأيام، والناس تخاف من اقترابنا منها أو طلب مساعدتها، إذ كانت تخشى قمع النظام واجهزته. الآن استعيد تلك الايام، فقد تغيرت نظرتي لها، وفهم حقيقتها. كنا نخالها مجرد قضية سياسية في مواجهة دولة مستبدة أو سلطة جائرة، يحكمها القانون ويقيد سلوكها النظام. في الحقيقة كنا نواجه شيئاً مختلفاً وقوة مجردة من كل قيم السياسة والاخلاق والانسانية. قوة غاشمة تنتمي للوحشية ولعصورها البائدة في التاريخ.
يتضح لي اليوم، ويعود الفضل في ذلك الى سعدي، إننا كنا من المطاردين ومن المباحة دمائهم. كنا اشبه ما نكون بالفريسة، تطاردها وحوش كاسرة. كان بامكان أي عضو في حزب البعث أن يمسك بنا، ان يعتقلنا، ان ينفذ الاعدام بنا، او ربما قتلنا في الشوارع او الساحات العامة. كان بامكان أي عنصر في الاجهزة الامنية المتعددة أن يفعل الشيء نفسه. لم تكن هناك مذكرات اعتقال (رسمية) بحقنا تجيز أمر القاء القبض، او قرار قضائي صادرعن جهة شرعية (محكمة) يخول السلطات التنفيذية (الشرطة) أمر توقيفنا او اعتقالنا في امكان معلومة وخاضعة لسلطة القانون. كان ذلك اشبه ما يكون بلوحة سيريالية.
ذكرني رحيل سعدي بتلك الايام، عندما جاء الى حيث "اختفى" يريد مني مساعدة صديق له أنا (أعرفه أيضاً) كانت حياته معرضة للخطر. هذا التصرف يعكس جانبا من شخصية سعدي الذي لا يبالي في ان يعرض نفسه للخطر لكي ينقذ غيره. كانت الاجواء في بغداد مشحونة، واجهزة النظام في حالة الانذار. والحرب الدائرة ضد كل العناصر الوطنية، وخاصة الشيوعيين، شملت كل انحاء العراق، ولم يعد هناك اي مكان امن او بعيد عن عيون "الرفاق" والاجهزة الامنية.
سنوات عجاف، حصل فيها الكثير من الاشياء، وتخللها العديد من الاحداث، على قصر مدتها، وقلة عددها (1977 و1978 و1979) كانت سنوات مهمة واستثنائية في تاريخ العراق، فيها نصب صدام رئيساً للبلاد، وفيها نفذ البعث بمنهجية "دقيقة" خطة تصفية القوى الوطنية، وفيها اعد مشروع الحرب العراقية الايرانية. تلك قصة اخرى ليس بصدد روايتها هنا.
التقينا ثانية، هذه المرة في بيروت. كان سعدي فرحا كالطفل، ليس لأنه تمكن من الافلات من قبضة سلطة البعث، بل لأنه شعر بالحرية التي افتقدها لزمن طويل. فجأة، وجد سعدي نفسه، متحرراً من قيود كثيرة واعتبارات لا لزوم لها. بعد فترة قصيرة من وجوده في بيروت، تزوج سعدي من انسانة طيبة، وسرني هذا الحدث المهم في حياته، واشعرني بان سعدي سوف يستقر، ويبدأ حياة امنة ومريحة بعض الشيء بعد معاناة طويلة. افترقنا، كلا ذهب الى غايته. لكن الاخبار غير السارة عن سعدي عادت لي، رغم البعد، وتعذر الاتصال. ذهب الى الجزائر، فيما توجهت الى ليبيا التي تحولت الى مأوى لالاف العراقيين.
بعد سنوات، قرابة عقد من الزمن، التقينا مرة أخرى، هذه المرة في لندن، دون موعد أو اتفاق. سرني أن أرى سعدي، وعن طريقه تعرفت على نخبة ممتازة من العراقيين بينهم عدد من المثقفين. عاش سعدي حياة صاخبة، وظروفاً صعبة، لكنه لا يشكو ولا يتذمر، كان راضياً وأكثر من ذلك كان منسجماً مع تلك الحياة وعلاقاته مع الناس كثيرة، ونشاطه شمل حقولاً عديدة منها الترجمة والقراءة والكتابة، إضافة الى النشاط السياسي في اطار معارضة النظام البعثي.
سعدي من خيرة المثقفين الماركسيين العراقيين، كان معتقده الفكري رصيناً ومعرفته عميقة وإطلاعه على مختلف مدارس السياسة والادب واسع. ترجم الكثير من المواضيع المهمة الى اللغة العربية، ساعده في ذلك ثقافته الغنية ولغته الانكليزية القوية. قدم سعدي عبد اللطيف في هذا المجال خدمات مهمة للصحافة وللثقافة وللنشاط السياسي، وقد شارك في الكثير من الفعاليات والنشاطات التي تقوم بها المنظات البريطانية خاصة تلك المتعلقة بمناهضة الحرب والدفاع عن حقوق الانسان في العالم. كان سعدي مثقفا موسوعيا، معلوماته تغطي مجالات عديدة، لكن الحياة غدرت به، مما حال بينه وبين انتاج ما يناسب مواهبه ويعكس قدراته الفعلية.
لدي الكثير لكي أقول عن سعدي، لكن ساكتفي بذكر جانب آخر في شخصيته، فهو يحظى بحب الناس وترحابهم به أينما حل أو رحل. وأذكر جيدا كيف ترددتُ في موضوع ايجاد عمل له معي في جريدة "المؤتمر" في لندن، فكرت ملياً لأن سعدي يكره الدوام المنتظم ويكره الالتزام به. تحدثت مع رئيس التحرير الكاتب (الاسلامي) المعروف محمد عبد الجبار الذي لم يمانع في تكليف سعدي مهمة الترجمة لصالح الجريدة دون حاجة للدوام اليومي (استكتاب) كان ذلك حلاً مناسباً لسعدي، كان الدوام مشكلة حقيقية. لم يمض وقتا طويلاً على عمله حتى اصبح رئيس التحرير صديقا لسعدي، يقدر كفاءته وما يبذله من جهد. لقد أدهشني ذلك وقتها، واذهلتني تلك السجايا التي يتمتع بها سعدي وتجعله هكذا قريبا من الناس محبوباً من قبلهم.
سعدي، أحب الناس كل الناس، فبكوا فقدانه وسيواصلوا تذكره بعد رحيله.
سعدي، إنسان من الصعب أن ينسى. سوف نبقى نتذكره.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

بورخيس،هايزنبرغ وإيمانويل كانت

نص ونقد.. العبور والانغلاق: قراءة في قصيدة للشاعر زعيم نصّار

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

مقالات ذات صلة

يحيى البطاط: الشعر والرسم طريقان لمعرفة العالم، أو لتسكين الذات
عام

يحيى البطاط: الشعر والرسم طريقان لمعرفة العالم، أو لتسكين الذات

حاوره علاء المفرجي الشاعر والرسام العراقي، يحيى البطاط خريج جامعة البصرة تخصص رياضيات، حائز على جائزة الصحافة العربية عام 2010، يقيم منذ العام 1995 في الإمارات العربية المتحدة، وأحد مؤسسي مجلة دبي الثقافية، ومدير...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram