اعتقال ثم محاكمة عهد التميمي كما شاهدناها في القنوات الفضائية، تحيلنا الى قدرة الصورة على صياغة الرأي العام ثم توجيهه، وأيضاً تؤكد اهمية الصورة في هذا العصر الذي اكتسب اسمها.
منذ اندلاع المواجهات بين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي قبل شهر تقريبا غداة إعلان ترامب عن نقل سفارة بلاده الى القدس، صرنا نشاهد كماً هائلاً من صور هذا الصراع بين المنتفضين وقامعيهم، من وجهة نظر القنوات التي تنقل هذا الحدث.
واصبحت هذه الوقائع ميداناً آخر ومهماً في هذا الصراع، فبعد أن ظهرت صورة روج لها الإعلام الاسرئيلي في بداية المواجهات تظهر نقل سيارات الهلال الفلسطيني لعدد من المقاتلين وهم ملثمون، ووجهت بصورة التقطتها احدى الفضائيات لنفس السيارة وهي تنقل مصاب في المظاهرات يصاحبه رفاقه.. هنا الصورة الأخرى احبطت التأويل للصورة السابقة ... ثم بعد أيام من احتدام هذه المواجهات يظهر شريط مواجهة الفتاة الفلسطينية عهد التميمي مع جنود الاحتلال الذين اقتحموا بيت عائلتها واعتقلوها، على شاشات التلفزيون يظهر خلاله الجنود مسالمين فيما تظهر عدوانية التميمي وشراستها فهي تهاجمهم بعنف بينما لا تبدي منهم أية ردة فعل ضدها.
هنا نجد الصورة والصورة الناسخة، تورية ثقافية ذات معانٍ مزدوجة ، ونكون بذلك اكثر من نمط في استقبال الصورة، هو إذن صراع للانساق، فظهور نسق واحد يحفز على ظهور أنماط اخرى وتفرض نفسها بانتاج صور مضادة. ولكن هنا وفي الصورة التلفزيونية لقضية عهد التميمي.. ليس هناك صورة تنقضها.. فتكون الصورة لجنود اسرائيليين يتلقون (إهانات وصفعات) التميمي بكل هدوء.. بينما تبدو (عدوانيتها) واضحة وهو أمر سيقودها الى القضاء .. ولطالما اتسمت الدعاية الإسرائيلية بالدهاء والذكاء، باستخدام أسلوب التكرار والتعمية والتلميع من خلال مجموعة من الوسائل الشخصية والإعلامية غالباً، ونجحت الدعاية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها بدءاً من صياغة الرأي العام مروراً بوضع عهد وأمها تحت سقف المحكمة الاسرائيلية كما في شريط تلفزيوني لايخلو من قصدية واضحة.
إن أحداث ومضامين وسائل الإعلام لا يكون لها مغزى في حد ذاتها إلا اذا وضعت في تنظيم وسياق وأطر إعلامية تنظم كل تفاصيل الحادثة بشكل مدروس لتؤطر الصورة من ناحية المعنى الذي تحمله.
لذلك يرافق تفكيكها وتحليل معانيها اختلاف الناس في إدراكهم للصورة وفق السياق والمفهوم والخلفية الثقافية المحيطة بالصورة وحيّثياتها.
ويطرح بيرجر دراسة الخطاب الاعلامي بوصفه فرعاً من النقد الثقافي،اهم النظريات المفسرة لثقافة الوسائل الجماهيرية، كما يرى عبد الله الغدامي واتي ترى في نظرية الاستنبات تركيزاً على العلاقة الحقيقية التي تقدمها الوسائل الاعلامية والتلفزيونية خاصة وبين ما يتفهمه المشاهدون على انه حقيقة .
واصحاب هذه النظرية يرون الاعلام والتلفزيون خاصة يقدما حقائق مشوهة عن الواقع وكمثال يأخذون أخبار الجرائم وفي حالة المشاهدين المدمنين فان الصورة الاخبارية هذه ستترسخ في اذهانهم على الرغم من درجة المغلاة أي انهم يختزنون عن الحياة صورا غي واقعية.
يرى الغدامي : مهما كانت الصور حقيقية وتلقائية إلا أن الدراسات والوقائع تشير بشكل خطير الى أن الجمهور لم يعد يصدق الصور , وإن ما يترواح بين تكذيب ساخر الى تصديق أعمى , وبينهما توسط يلجأ الى عملية التأويل والتفسير وتحليل الصور , وهنا تدخل عوامل كثيرة اجتماعية وثقافية مما يؤثر على قيمة الصورة كدليل على الاحداث.
في البدء: عهد التميمي الصورة ونقيضها

نشر في: 6 يناير, 2018: 09:01 م