قلنا في مقال سابق عن أهمية المخيّال وحضوره في الفن والأدب ، بحيث لا يمكننا تجريدهما عنه . لأنهما سيفقدان صفة الإبداع ، وقد تنوعت مفاهيم المخيال في الفلسفات والمعرفة ، وتعددت معانيه مثلما كثـر الفلاسفة والمفكرين الذين تحدثوا عنه . وبسبب أهميته الثقافية ، والفنية ، واستمرار حضوره ، ذهب إليه كثير من الفلاسفة . ولعل أبرزهم ديكارت ، هوسرل ، ريكور برغون سارتر ، ميرلوبونتي ، كامو ، هايدجر ... الى أخره ، كذلك اهتم به علم النفس الاجتماعي والانثربولوجيا الفلسفية.
كل هذا يعني أن المخيال جوهر معبر عن العلاقة بين الفن / الأدب وبين المتلقي ، والأكثر أهمية ، كيف يتضح هذا " المخيال " ويتبلور في العمل الفني ، من خلال الجمال ، أو الموضوع الجمالي كما أطلق ذلك عليه سارتر ، الذي درس بعناية فائقة موضوعة المخيال في كتابه الموسوم " المخيال " وكان وما زال مثيراً للجدل ، لانه ـ سارتر ـ ذهب نحو فضاء آخر اختلف فيه مع غيره حول هذه الموضوعة الجوهرية ، والمثير في رأي سارتر توجهه نحو مخيال ، يحقق جمالاً ، أو ينجح بالوصول الى موضوع جمالي ، ولكن بعيداً عن الواقع ، إنه ينفي هذه العلاقة التي أكد عليها برغون وصارت خاصية له ، وهي وثوق الصلة بين الجمالي والواقعي " يحق لنا أن نقف وقفة قصيرة عند مذهب سارتر في هذا المجال ، لكي نقارن بين مستوى الحلم ومستوى الفعل ، ولكن على حين أن برغون قد ربط الخبرة الجمالية بالواقع ، بينما ربط سارتر الجمال باللاواقعي . وأية ذلك أن " الواقعي " ـ في رأي سارتر ـ لا يمكن أن يكون جميلاً على الإطلاق ، بل أن الجمال صبغة خاصة تخلع على الموضوع ضرباً من اللاواقعية " / سارتر / الفن أما تخيّل ولا واقعية ، وأما التزام وحرية / ضمن كتاب : د. زكريا إبراهيم / فلسفة الفن في الفكر المعاصر / مكتبة مصر ص 214//
تبدو ملاحظة سارتر واضحة الإقناع وأكثر قرباً من المتلقي لأنها جردت الواقع عن جمالياته ورحلته الى اللاواقعي . الذي هو الإبداع في الفن والأدب ، هذا بالإضافة الى مقولة سارتر الشهيرة التي قال فيها من أن الصورة ليست واقعاً ، بل هي تمثيل للواقع ، ويفضي بنا رأي سارتر حول الجمالي واللاواقعي الى رأي مهم للمفكر "جاك لا كان" اقترح فيه تمييزاً للمخيالي له عن الرمزي والواقعي ( وهي المفاهيم الثلاث التي استخدمها لوصف مراحل تطور الطفل في لحظة مخياله يسميها المرآة ـ بين الشهر السادس والثامن عشر ـ فالذات لا تظهر الى حيز الوجود الا بعد أن تكتسب وعياً ذاتياً ، وهو ما يحدث في هذه المرحلة التي تسبق الأوديبية وتقوم على ما يتصوره الطفل من تطابق المخيال مع صورته المنعكسة في المرآة / خولة الحسيني / المخيال في الفلسفة والانثوبولوجيا / دار تموز ، دمشق / ص 83//
حتماً استفاد سارتر من فلسفة هيغل المثالي الذي أكد على أن الجمال نتاج الفنان المبدع والشجرة الموجودة في الواقع لا تعني أكثر من كونها شيئاً معروفً ومألوفاً ، ولا توفر أية فرصة للبحث في تفاصيلها المرئية عن بذرة جمال . بل المثير للغاية ما يرسمه الفنان لشجرته ويحفزنا للمراقبة والبحث عن الموضوع الجمالي . وهذا ما أكده سارتر بقوله : يقدم لنا الموضوع الجمالي مجرد مظهر للغائية وبالتالي ، يقتصر على استثارة النشاط الحر المنظم للمخيلة . ولكن لما كان دور المخيلة دوراً تركيبياً ، لا مجرد دور تنظيمي ، فأنه لا يمكن أن يكون العمل الفني سوى مجرد غاية توضع أمام حرية القارئ أو التأمل ...... نحن لا نجد في جمال الطبيعة غاية باطنة فيها ، بل نحن نفترضها افتراضياً .... في حين أن الغاية باطنة في صميم الجمال الفني ، أن لم نقل بأن العمل الفني نفسه هو منذ البداية " غاية . بينما يظن " كانت " أن العمل الفني يوجد أولاً ، ثم يكون بعد ذلك موضعاً للتأمل أو موضوعاً للرؤية ، نجد أن سارتر يقرر أن العمل الفني لا يوجد إلا حين ننظر إليه ... / سارتر الفن أما تخيّل ولا واقعية وأما إلتزام وحرية / سبق ذكره ص 206//
حدد سارتر الإبداع الفني بوصفه انجازاً إبداعياً ، يتطلب التوصل إليه أولاً الإدراك الحسي ومخيال العلاقة القائمة بين الشيء الواقعي والشيء اللاواقعي ، لا يمكن أن تكون مجرد علاقة عرضية بين " مدرك " و " متخيل " بل لابد من أن تكون علاقة ضرورية ثابتة بين علاقة ودلالة أو بين قرينة ومعنى . كما قال سارتر وأكد أيضا على الإدراك كما قلنا من أجل الوصول للمعرفة وليس الوجود فقط . ولكي نتجنب تشييء الصورة ، فأن سارتر يرى في عملية التخييّل نوايا مجردة من كل أوهام الاحتواء / خولة الحسيني / سبق ذكره ص 72//
ذهبت الباحثة خولة الحسيني الى أن المقصود باللاواقعي في أراء سارتر هو مكونات العمل التشكيلي مثل القماشة والألوان ، بمعنى الوسائل المستخدمة بإنتاج اللوحة ، لذا ذهب (سارتر) للربط بين المادة المستخدمة وبين جماليات اللوحة . هذا كلام لا يذهب باتجاه ما يعنيه سارتر باللاواقعي ، لأنها المستلزمات الأولية بيد الفنان ، وإنما يعني به ما يتشكل لدى المتلقي من تأويلات وفحوص للعمل الفني ، تكونت كموضوع جمالي من حضور الإدراك الحسي وتوفره مع سيادة المخيال المساهم بصياغة العمل . كما اعتقد بأن سارتر يعني بأن اللاواقعي هو الذي تشكل بلحظة قطعية بين الفنان والمألوف / المعروف ، وتكوّن لديه ما يشبه الحلم الخاطف والشخصي . وهذا ما ألمحت إليه الباحثة خولة الحسيني ، عندما قالت " الموضوع الجمالي يختلف عن مادة العمل الفني . وهذه ملاحظة جوهرية ومهمة . والسؤال ، ما هو الموقف البعدي ونحن نعاين تخطيطات فنية ؟ اعتقد بأن الموضوع الجمالي حاضر فيها مع غياب الألوان والوسائل المستعملة دائماً لإنجاز الصورة .
الواقعي ، كل ما يعرفه الإنسان ويتفاعل معه ويتعايش ويدرك تفاصيله الكاملة ، حتى رمزياته ، لأننا لا نجرد الواقع من ذخيرته الرمزية التي أنتجتها تخيلات الجماعة . أما اللاواقعي ، فهو غير المألوف واللامعروف ، إنه تصورات حلمية ، غرائبية وأسطورية أيضاً ، بمعنى أن الواقعي لا يحتاج الى تشارك من أجل فهمه ، أو ترجمة تفاصيله مثلما يحصل دائماً مع غير المعروف ، مثل الحلم أو الأسطورة . فكل منهما يحتاج ترجمة لصورتيه ، تحوّله الى لغة ومن بعد إخضاعه للقراءة والتأويل .
أن الموضوع الجمالي عند سارتر يكون أشبه ما يكون النداء يوجهه الفنان الى المتذوق ، مهيباً بمخياله أن يعمل عمله من وراء إدراكه الحسي إذ ليس مخيال المتذوق أو المتأمل مجرد وظيفة تنظيمية تقتصر على تنسيق الادراكات الحسية ، بل هي وظيفة تركيبية تقوم بعملية إعادة تكوين الموضوع الجمالي ... ولا يختلف المخيال عما عداه من الوظائف العقلية الأخرى ، فانها لا تستطيع أن تمارس نشاطها في داخل ذاتها ، بل هي في حاجة الى الاتجاه نحو الخارج من أجل ممارسة نشاطها في شيء آخر تجعل منه دائماً " موضوعاً " لمشروعها الخاص / خولة الحسيني / سبق ذكره ص 64//
لهذا يقرر سارتر أن ثمة نداء تتردد أصداؤه في أعماق كل لوحة وكل تمثال وكل كتاب ، إلا وهو النداء الذي يهيب بالمتأمل أو القارئ أن يعمل مخياله في سبيل العمل على تذوق هذا الكتاب أو ذلك التمثال أو تلك للوحة وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين المخيال والإدراك الحسي / د. إبراهيم زكريا / فلسفة الفن في الفكر المعاصر / ص 199//
نجد في فلسفة " كانت " الخاصة بالفن وجمالياته رواسب استفاد منها سارتر بشكل واضح ، وخصوصاً عن غياب التماثل بين الصورة وبين وجودها المادي في الحياة ، فمن هنا أسس سارتر مقولته الشهيرة الداعية الى أن المخيال متكون من اللاواقعي وليس من المألوف وهذا ما ذهب إليه المفكر " كانت " مؤكداً " أن الأشياء في ظواهرها إنما تختلف عن الأشياء في حقيقتها ويعني عمانويل كانت أن مظاهر الأشكال للكائنات ومختلف الأشياء لا تعبر عن حقيقة هذه الكائنات وبتلك الأشياء ... بحيث يكون جوهر الشيء ومضمونه مختلف تماماً عن الظاهر الشكلي للشيء ... وان ذلك الشكل السطحي إنما هو ستار خادع ، إذ يخفي وراءه حقيقة أو معنى أو جوهراً ذا صفات بعيدة كل البعد عما يعبر عنه ذلك الشكل السطحي ... الذي هو في أغلب الأحيان قناع زائف . يستتر وراءه مضمون الشيء / حسن محمد حسن / الأصول الجمالية للفن الحديث / دار الفكر العربي ب . ت / ص 222//
وأستطيع التركيز أكثر بعد عديد من الملاحظات عنت الموقف الخاص بسارتر وعلاقته بالمخيال وأقول بأن سارتر يتعامل مع المخيال بوصفه إبداعات ، تنشأ في لحظة ، تتعطل فيها العلاقة بين الفنان ومجتمعه وينعزل عن المحيط الخارجي ويسكن في محيطه الخاص ويبدأ عملية التقاط الجواهر المدفونة في مكان ما ويوزعها إلينا عبر منجز فني أو أدبي .
وإذا أراد العمل الفني حضوره الحيوي عليه فك الاشتباك مع الواقع والذهاب سريعاً نحو اللاواقعي / الحلمي / الأسطوري ... وأكدت نظريات الجمال على دور الفن في إبداع الحياة والمحيط وهنا يبرز الاختلاف واضحاً بين إبداع الحياة والمحيط وبين إدراك العالم . وكما قالت الباحثة خولة الحسيني : من هنا فأن سارتر قد أعاد الاعتبار لمسألة المخيال في الفكر الغربي.










