(1)
في 24/12 من كل عام ، تحضر ذكرى رحيل الشاعرالكبير بدر شاكر السياب بقوّة ، ويحضر الشاعر بقوّة أيضاً . نستعيدهُ شعرياً ، ودالة عالية التردد في تجديد وتحديث الشعر العراقي والعربي على السواء، وعلى مرأى من تحولات الشعرية العالمية .
السياب شعراً وشعريةً : ليس الحضور الممكن ، وانما استمكان الحضور زمنياً ، الزمن الشعري تحديداً ، حيث الهدم والبناء المستمرين من أجل الصياغة الجديدة / البناء المغاير في الشكل والمضامين التي تذهب الى عمق الوجود،من أجل التأصيل وإعادة التأصيل .
السياب ، زمنٌ في الحضور و حضورٌ في الزمن ،في ثنائة عصية على التشتت .
(2)
في كتاب ( قصائد بدر شاكر السياب )..، اختيار وتقديم / أدونيس / الصادر عن دار الآداب عام 1978..، يكون أدونيس قد استبطن التجربة الحياتية / الشعرية ، والشعرية / الحياتية للسياب ، رائياً ومنقباً في الأهمية ، الأهمية الشعرية / الفنية التي جعلت من السياب رائداً في التجديد والتحديث .
يُثير ادونيس في مقدمته لهذا الكتاب خلاصات غير مسبوقة ، من بينها ، شعر وحياة السياب بين الهدم والبناء (القصيدة عند السياب لقاء بين شكل يتهدّم وشكل ينهض .في هذه القصيدة / اللقاء يجد رمزاً لحياته وشعره معاً وهويعكس هذا الرمز بنبرة حكيم مشرقي . والحياة نفسها عند السياب قصيدة: لقاء بين شكل يتهدم وشكل ينهض. إنها انبثاق أشكال لأنها انهدام اشكال ، وهي كالقصيدة ، شكل. وليس الشكل تمثيلاً نقلياً أو وصفياً . إنه فضاء خارجي يحتوي فضاءً داخلياً .وهو فيما يحتويه، يوحي بأبعاده ) . وبذلك يكون مثل هذا التوصل كشفاً حياتياً شعرياً يجعل من السياب وحياته قصيدة ، والقصيدة هنا حضوردائم لايلفحه غبار الاندثار .
(لأن السياب من شهودنا الأُول على الحضور: ولادة محتوى جديد، وولادة تعبير جديد. من دلائل هذه الشهادة رفض الفصل بين التعبير والحياة، الشكل والمحتوى: ليس الشكل وعاء المحتوى أو رداءه وانما هو حياة تتحرك أو تتغير في عالم يتحرك أو يتغير ،فعالم للشكل هو، كذلك، عالم تحوّلات )
انَّ هكذا خلاصة تؤكد من جديد ،السياب شاعر حياة ، لا شاعراً في الحياة ،وبذلك يتأصل السياب وجوداً حياتياً / تعبيرياً بالشعر ، ومثل هذا الاشتباك لايتم إلا بوعي الوجود وضروراته .
أدونيس ، لاحقاً ، وفي مقدمته هذه ، سرعان ما يحاول ان يقلّص من انفتاح الشكل عند السياب ، ويجعل من تجربة الشكل محدودة الاستقلال ( ان تجربة الشكل عند السياب لم تبلغ استقلالها الكامل . كانت طاقة مشدودة الى الوراء فيما هي تتطلع الى الأمام ، ومن هنا ظلّت العادة مستسرّة في كثير من قصائده . لذلك ليس السياب جديداً دائماً . وصل الى طرف العالم القديم لكنه لم يتجاوزه بل ظلَّ عالقاً به . لم يسكن ، فنياً ، على الشفير الذي يفصله عما سلف ، ويقذف به في هاوية ما يأتي ) .
لقد تراجع أدونيس في هذه الخلاصة عن قوله في الهدم والبناء . وكيف للسياب ان يصل الى شكله الجديد ؟ وكأنه منبثقُ من الهواء ..! والسياب غير متوار ٍ عن الشكل الأول كلياً، انه في المدارات ( الخليلية ) اقتراباً وابتعاداً ، يُزيد ويُنقص في عدد التفعيلات كي يخلق مناخاً ايقاعياً يحاول ان يبتعد فيه عن الطقس الموسيقي/ الرنيني الثابت وهو محاط بأسواره .
وفي خلاصة لاحقة يجيء الاستدراك ( وهذا لايعني من جهة ثانية ، ان شعر السياب ليس جديداً . انه طليعة الجدّة في شعرنا ، ريادة : بدء منها ومعها اخذ ينشأ الشعر العربي الجديد وسط تعبيري جديد .وهو ، الان، من القوة والسيادة بحيث انه يبدو ابداعاً مستمراً ) .
(3)
أدونيس ، في مقدمته ، ورغم كشوفاته ، إلا أنه هو الآخر في تراوحية الهدم والبناء مع تجربة السياب ، فبالقدر الذي يرصد فيه قوّة البناء ، يحاول ان يجلب لها أطياف الهدم ، الّا انه سريع الزوغان ، يردد صدى بويب كي يؤكد ان السياب شاعر حياة .
بويب..
بويب..
اجراسُ برج ٍ ضاع َ في قرارة ِ البحر
الماءُ في الجرار ِ والغروبُ في الشجر
وتنضح ُ الجرارُ اجراساً من المطر
بلّورها يذوب ُ في انين
بويبُ.. يا بويب ......
فـي ذكرى وفاته..في مقدمة أدونيس.. السياب ليس جديداً دائماً

نشر في: 25 ديسمبر, 2017: 12:01 ص