TOP

جريدة المدى > عام > المنجز كمساحة إبداعية دون معيارية التجنيس والتصنيف

المنجز كمساحة إبداعية دون معيارية التجنيس والتصنيف

نشر في: 10 مارس, 2018: 06:30 م

 

زينب المشاط

الأدب النسوي! هذه التسمية التي منحت الأدب جنساً ما، أو جندرة كما يذكر نُقّاد الادب، هل هي مهمة؟ أم أنها أساءت للكاتبات ذاتهن، وأوقعتهن في فخّ الضُعف التقني وعدم قدرتهن على منافسة ذكور المشهد الأدب، باعتبارهن خلقن لأنفسهن قوقعة خاصة وعزلن أنفسهن عن المشهد لأنهن يخشين التنافس مع الجنس الآخر...

أسئلة كثيرة تدور في هذا المضمار ، أي مضمار تسمية الأدب بالنسوي! هل المقصود من منح الأدب جنسه "الذكوري او النسوي" هو محاولة لمنحه هويّة؟ أم أن الهوية الادبية يمنحها الكاتب من خلال تقنياته الخاصة به وأسلوبه الادبي الخاص، الروائية والكاتبة ميسلون هادي تتحدث بهذا الشأن لـ "المدى" قائلة "من الطبيعي أن تنظر الكاتبة للعالم من خلال هويتها كإمرأة مثلما ينظر الكاتب للعالم من خلال هويته كرجل. والتاريخ، بسبب أحاديته الذكورية قد حرمنا من معرفة وجهة نظر المرأة، وأن نعرف كيف يعمل (عقل النسوان) هذا، فلم نر العالم إلا من وجهة نظر الرجل، وهذا الرجل هو في نهاية المطاف جزء من المجتمع الذكوري الذي يقوم علي استصغار المرأة وتهميش قدراتها العقلية وعدم النظر اليها مناوئاً أو نداً للرجل تباريه في الرأي والابتكار والقدرة الفكرية."
عدم الانزعاج من الاهتمام بالأدب النسوي لمجرد أنه نسوي، ميسلون هادي تجد أن هذا نتيجة طبيعية "لأن قمع المجتمع للنساء قد حجّم المرأة (ظاهرياً) من جهة، ولكنه من جهة أخرى أطلق طاقاتها الكامنة وإبداعاتها بكل درجاته ومجالاته، وهذا ما يفسر مثلاً ازدياد أعداد النساء المنخرطات بالدراسات العليا حتى وإن تراجعت الحريات في العراق، وأيضاَ ازدياد عدد الروايات التي تكتبها النساء بشكل ملحوظ حتى بتنا نشهد ثورة روائية نسوية لتعديل هذه الإحادية وجعل الحياة تمشي على قدمين."
من المؤسف أن الشواهد تقول بأن الكتّاب أصبحوا (تواقيع) و(أسماء)،وليس من الممكن وضعهم في خانات، تذكر هادي "بعد (موضة) الأجيال ظهرت (موضة) الأدب النسوي، والمصطلحات مثل الموضة، كل مدة يطفو مصطلح أو مدرسة أدبية." وهنا يبدو أن هادي لاتوافق مصطلح أدب نسوي، رُغم إنها تشدّ على أيدي النساء المبدعات واللاتي يقاومن محاولات تهميشهن."
الآن الأدباء صاروا أسماءً وتجارب يصعب تحجيمها في خانات، تُشير هادي
قائلة "ربما صح هذا المصطلح "الأدب النسوي" في زمن كانت المرأة فيه محصورة في ضيق التجربة وانبرى الكثير من النقاد، بعد الازدياد الملحوظ في عدد الكاتبات في الوطن العربي، إلى تجنيس هذا الأدب والاهتمام الجاد به. وقد خدم هذا التوجه الجديد المرأةَ الكاتبة وسلّط الضوء على جهودها المضنية التي كانت فيما مضى تنزوي في الظل من الأدب الذي يكتبه الرجل."
قد يكون للنقاد رأي آخر لكن، قد يكون "الأدب النسوي" عبارة تحتمل الكثير من التأويلات أهمها إنه للتصنيف عند الدراسة والمقاربات وبيان أصل الجنس للكاتب لضرورات تاريخية أو ثقافية لا للمفاضلة والتراتبية، الكاتبة والشاعرة غرام الربيعي تذكر " الكتابة النسوية هي مايحمله النص من صفات أو مشاعر أو رؤى صادرة بروح إمرأة لأن ماتشعر به المرأة حسب تكوينها البايولوجي والنفسي والاجتماعي مختلف عن رؤى الرجل ولابأس هنا من الإختلاف الذي لايزحف بالمنجز إلى مستوى الدونية عن مقاييس الإبداع عند الكاتب الرجل إما غير ذلك فهو إجحاف بقدرة المرأة على ابداعها وفكرها وقدرتها على الخلق والحوار والمهارة التي توازي الرجل وربما تفوقه في أحيان كثيرة إذا ماتمت المقارنة بين ماتيسره الظروف كمجال للانجاز والتطوير عما تمنحه للمرأة ."
التصنيف في الكتابة الادبية غير مُنصف، غرام الربيعي تؤكد " مقاييس الابداع لايجوز أن تخضع الكتابة النسوية للمقارنة والتقييم مع الكتابة الذكورية لذا ليس من الإنصاف التصنيف ،وعلى النقاد أن ينظروا إلى المنجز كمساحة ابداعية دون معيارية التجنيس والتصنيف ."
الكثير من الأخطاء في الأحكام تتحملها المرأة في مجال تصنيف الأدب، تذكر الربيعي "أن المرأة وضعت نفسها ومنجزها تحت طائلة الاستعطاف والقبول بالهامشية والتبعية كملحق لمنجز الرجل وكأنه المرجعية العليا للتعلم والتقليد والتحكيم والنقد ،وهذا يدل على ضعف الثقة بذات المرأة نفسها لنفسها لذا تناقض مطاليبها بالخضوع لمنهجيات وضعية."
لذا نحن اليوم بحاجة الى استعادات جادة للقراءات النقدية في تبويب النصوص على إساس فكرة ماتمتلكه الكاتبات النساء من مقومات نجاح ومناطق الدهشة الدالة على جودة الكتابة أو لا وعدم الاعتماد على فحولة النظرة القاصرة بحق الإبداع النسوي.
يبدو أن الكاتبات النساء مُدركات تماماً أن تجنيس الأدب الى نسوي أو ذكوري من شأنه الانتقاص من القدرة الابداعية للكاتبة المرأة.
"الأدب النسوي" يقع في شائكة معنى أن الكاتبة إمرأة، لكن هذا غير صحيح الكاتبة شذى سلمان تؤكد " أن الكتابة النسوية تتعدى معنى أن الكاتبة امرأة وتصل الى طرح ومعالجة كل ما يدعم قضية المرأة بالبحث والتحليل والتفسير."
هنالك كاتبات نساء كتبن عن قضية الرجل، وتجد سلمان "أن ما كتبنه لا يندرج تحت مسمى الأدب الذكوري، بل يعتبر أدباً نسوياً كتبنه نساء برؤيتهن الخاصة." إلا أن سلمان تؤكد " أن المرأة هي الأوفى في كتابتها عن نظيراتها من النساء."
لقد وقع الأدب بصورة عامة تحت طائلة التجنيس، قد يعود ذلك الى الفكرة السائدة والمغلوطة إن الأدب هو ذكوري وحكر على الرجال، تؤكد سلمان "على الرغم من أن التجنيس غير ضروري إلا انه لا يقلل من قيمة العمل اطلاقا ولا يسيء له أبداً لأن العمل الجيد يثبت نفسه بأدواته والموهبة أياً كان موقعه في عالم الأدب وليس غير ذلك "
قد يكون التجنيس تحصيل حاصل في الوقت الذي يرى فيه البعض انه ليس الا صفة لا يراد بها سوى تشويه العمل تجد الكاتبة شذى سلمان " إنه أي ( التجنيس ) الضوء الذي يشار به إلينا ، الفسحة الخضراء التي تلمنا ، الطود الكبير المتين الذي سيقل كل مشاكل المرأة من الصمت الى بر الكلام . بل أصبح التركيز على المنجز أكبر بسبب تجنيسه."
بعد أن عُرضت آراء صاحبات الشأن من الكاتبات النساء، جاء دور الرأي الذكوري، وفضلنا هنا أن نتخذ رأياً نقدياً أدبياً صرفاً، حيث تحدثت "المدى" للناقد الادبي بشير حاجم الذي أكد أن "موضوعة "الأدب النسوي" وتمسيته فيه إشكالات واشتباهات بين النُقّاد والاكاديميين، مؤخراً كثرت تسميات أدب المرأة أو الانثى وسينما المرأة وفن المرأة، فهل يقصد به الأدب الذي يُكتب عن النساء؟ أم انه الأدب الذي تكتبه امرأة؟ ."
هنالك رأي يقول إن الأدب النسوي هو الذي تكتبه امرأة ذلك أن الرجل غير عارف بالمرأة تماماً وغير عارف بأسرارها، يذكر الناقد بشير حاجم "يُقال إن المرأة تتصدى لعملية الكتابة عن نفسها لأنها أعرف من الرجل بقضاياها." لهذا اختلف الأدباء والنقاد بتفسير هذه التسمية...
بشير حاجم معارض لهذه التسمية ذاكراً " أنا ضد جندرة الأدب أو جنسية الكاتب أو المؤلف ولا أجد داعٍ لهذا المصطلح اطلاقاً لأني أُشبه بـ"الكوتا" البرلمانية فكأنه يعبر عن المرأة بكونها أقلية ويحاول منحها الفرصة أمام الاغلبية الذكورية وكأنهم بهذا المصطلح يقللون من شأن المرأة المبدعة."
المرأة قللت من شأنها باستخدامها مصطلح "الأدب النسوي" يذكر حاجم "بعد 2003 صارت الجلسات مقتصرة على النساء مثلا "قراءت شعرية نسوية" كأنهن بهذا يخشين مواجهة الذكور بمنجزهن، أخشى أن تقام مستقبلاً مهرجانات خاصة بالنساء، ذلك أن حتى الكتب المشتركة والتي يجب أن يشترك بها كُتاب ذكور ونساء صارت الكتب المشتركة هي اشتراك منجز نسوي فقط."
يفترض بنا الاهتمام بالمنجز الجيد بغض النظر عمّن كتبه، حاجم يؤكد "إن تجنيس المنجز الأدبي هو اعتراف بأن المرأة كاتبة ضعيفة وهذا غيرصحيح ، فهي تحاول بذلك أن تنأى بنفسها عن الرجل."
من هنا ساد المشهد الذكوري، بسبب محاولات المرأة الانعزال عن النص، يؤكد حاجم "إن المرأة هي التي اسهمت بغلبة السلطة الذكورية في المشهد الأدبي، حتى في المؤتمرات البحثية والنقدية غالباً ما يحدث أن المرأة هي التي تعطي فرصة للذكر ليهيمن على المشهد وهذه القضية لا تتعلق بالأدب فحسب بل رُحّل المصطلح الى كل المجالات الابداعية والفنية."
أن الغالبية يقصدون بـ "الأدب النسوي" هو أن النتاج نسوي، وليس الثيمة، أما من يُشير الى أن الثيمة والموضوعة تناقش قضية المرأة فهذا أيضاً "اجحاف بحق المرأة" كما يجد حاجم "إن المرأة نصف المجتمع، ونحن بهذه التسميات ندخلها بمفردها في مجتمع كامل لنشعرها بضعفها."
المرأة كل شيء فلا يجوز عزلها في النصوص، حاجم يؤكد مجدداً إنه "ضد المصطلح، بكلا معنييه وعلى الأدباء أن يجدوا حلاً وسطاً لهذه القضية، كما أن عليهم أن يعطوا المرأة فرصتها كونها كاتبة لتستطيع المرأة بعدها وشيئاً فشيئاً أن تنأى بنفسها عن هذا المصطلح.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مآثر فوق التصوّر

في غياب الأستاذ

رحيل ناجح المعموري ..حارس الاساطير البابلية

وجهة نظر: السينما المُدجَّنة: بيان في النقد

"مذكرات بكويك"… أقرب إلى سينما فيديريكو فيلليني المبكرة

مقالات ذات صلة

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة
عام

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة

لطفيّة الدليمي ها نحنُ ثانية على مبعدة ساعات من بدءالسنة الجديدة. أهو حدثٌ كبير؟ جديد؟ يستوجبُ التهيئة المكلفة والتقاليد الإحتفائية المكرورة من سنوات؟ ما الذي يحصل كلّ سنة؟ لا شيء. يتبدّلُ وضع العدّاد ويبقى...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram