TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: بغداد العظيمة بين الجمال والغنيمة

قناطر: بغداد العظيمة بين الجمال والغنيمة

نشر في: 10 مارس, 2018: 07:37 م

لست من الذين ياتون بغداد دائماً، أنا زائر متقطع لها، مثل أي عربي يدخلها في مناسبة ما، أو من دون مناسبة حتى، لذا لن تكون نظرتي لها، أبعد من نظرة عين سائحة، ترى الحسن كله في جسر على دجلة، وتغضب الغضب كله لمشهد النفايات في ازقة البتاويين، وبين هذه وتلك مسافة لقول شيئٍ ما.
إعتدت، ومنذ سنوات أن اتناول فطوري عند مطعم صغير، يقدم الكبّة، حارة، طيبة حدّ تذكرها أبد الآبدين، اسمه(مطعم سيمون) يتخذ من ركن في ساحة النصر مكاناً، حيث يقف منتصرا على نفسه عبد المحسن السعدون. في كل مرة أظنُّ المطعم قد أغلق، هكذا، فصاحبه مسيحي، وأعلم ان أغلب المسيحيين هاجروا، وقد يكون أحدهم، لكنني، في كل مرة أستعيد سعادتي بوجوده، اطيل التأمل في وجهه البغدادي، الابيض، المشوب بحمرة من قدموا من الموصل، ذات يوم، وأتخذوا من منازلهم في الضواحي الجميلة مقاماً.
وكنت الرائح الغادي في شارع السعدون، في القطعة من الممتدة بين ساحة التحرير وساحة كهرمانة، وقد توقفت طويلاً أمام محال بيع مستلزمات المعاقين، كراسي متحركة وعكازات ومصاطب وأسرة وحمامات ... مشهد يعود بالمرء الى التفجيرات التي تعرضت لها المنطقة هذه، الى عدد الذين اصيبوا جراء الاعمال الارهابية، التي اجتاجت بغداد قبل سنوات، وعلى الرغم من وجود محال بيع الخمور في المنطقة هذه، على الرغم من كثرة الاندية والحانات والمراقص وبيوت المساج، إلا أن الطمأنينة غائبة، يعلم ذلك زائر المدينة من خلال الكوى الضيقة، التي احدثها اصحاب المحال تلك في أبوابهم، ومن خلال الرجال، ذوي الأكتاف العريضة والسواعد المفتولة الموشومة بالسكاكين والافاعي والجمل الاعتراضية، الذين يقفون على ابوابها، كثيرة الاقفال.
قد تبدو فسحة الامان مطلقة في بغداد ساعات النهار، لكنها ليست كذلك في ليل البتاويين، فمن نافذة غرفتي في فندق "قصر سيوان" حيث أقمت الليلة والليلتين، كنت أسمع صياح السكارى، وتهديد المتخاصمين، وكنت اتوقع أنَّ احدهم سيغيب سكينه في بطن خصمه، هكذا، حيث لم يكن مشهدهم يعني أحداً في سيارة شرطة النجدة، المرابطة في الساحة المقابلة للفندق، كنت أقرأ المشهد قراءتين بصريتين قائلاً: إما أن يكون المشهد هذا تقليديا جداً، لا يتجاوز حدود التهديد بالكلام، ويعرفه رجال الشرطة او أنَّ الشرطة غير معنية بهم، إن قتل أحدهم الآخر، أو لم يقتله، هكذا، كما في معظم المدن العراقية، حيث الشرطي غير معني باحوال الناس، فهو موظف خدمة بسيط ، ينتظر نهاية الشهر ليتسلم راتبه لا أكثر.
لا أريد أن استسلم كلياً لمشاهد محلة البتاويين، فهي لا تسر، لذا ساركب قدميَّ باتجاه شارع أبي نؤاس، هذا الشارع الذي تكرهه الحكومة لا لشي إلا لأن اسمه (شارع أبي نؤاس) هو يذكرها ببغداد هرون الرشيد والمنصور وعصرها الذهبي، لذا فهي تتحين الفرصة لانتزاع كاس التمثال المترع خمراً لتستبدله بمسبحة عيار 101، هكذا كما يتندر البغداديون. لكن، والحق يقال، فالشارع ما زال الاجمل فيها، حيث يمتدُّ دجلة الخالد خيط خضرة وماء الى جانبه، وحيث الليل سمكاً مسقوفاً وزجاجات عرق ابيض، وحيث المراة حاضرة، يحميها أصحابٌ غلاظ، لهم سطوة الاسود على الغابة، هل قلت الغابة؟ نعم، بغداد غابة لمن يدخلها في الليل ، يملكها مجهولون، كانت لهم في الموصل أقدام وأسلحة هزمت الدواعش، لكن، لهم اليوم قبضات واسلحة ونياشين تملك ليل بغداد كله.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram