TOP

جريدة المدى > عام > فروغ فرخزاد.. الشعر يتصيّد المتعة، ويبتكر الحياة

فروغ فرخزاد.. الشعر يتصيّد المتعة، ويبتكر الحياة

نشر في: 26 مارس, 2018: 06:13 م

 ناجح المعموري

تستدعي حياة الشاعرة ، فروغ زادة الاهتمام والمتابعة، لما انطوت عليها من تراجيديا وتنوع الاهتمام الابداعي المتعدد ، لقد عرفت شاعرة، ورسامة، وسينمائية . هذا تنوع واضح ، لكنه محكوم بعنصر متشارك، يوحد بين هذه الاهتمام وأعني به الصورة ، حيث تتشكل حساسية التجربة الإبداعية ، لأنها وضعت الثقل على الصورة التي عرفت بدورها التاريخي والحضاري الجوهري، وما زالت حتى هذه اللحظة، فالصورة أصل المعارف والأدب والفنون. والنوع غير المهتم بالصورة لا يجوز حضوره ، ولا يكتسب حياته ، مثلما لا يقوى على البقاء مستقبلاً .

تميزت فروغ زادة بطاقة مثيرة على الدنو من اليومي المعروف والمتداول ، وأكثر حضوراً ما جعلته محوراً لانشغالها واهتمامها الابداعي ، واستهدفت المألوف الشائع في حياة القاعدة الواسعة من الجماعات الخاضعة لالزامات سلطة ثقافية تنظر للحياة محكومة بما كاره موجوداً ومقبولاً في الماضي . وتحركت بقوتها الابداعية لخدش ما معروف وخلخلة الساكن والراكد ، مما أثار ضدها حملات واسعة من التشهير ، لكنها لم تهتم بكل ما سعت إليه الجماعات النمطية والظلامية . من هنا لعبت دوراً فاعلاً وبارزاً لتكون وحدها طرفاً ضد تلك القوة الثقافية ونجحت بتحقيق استقطابات كبرى في الحياة .
تفرغت كلياً للفن ، وصارت حياتها القصيرة صورة ناهضة وسط إبداع متنوع كما قلت ، والصورة التي تبتكرها فروغ زادة ليست مماثلة لما عرف به غيرها ، لسبب جوهري وهو العين التي ترى ، وتراقب وتلتقط ما تريده الشاعرة ، لأن ما توفره هي للصورة من مكونات وعلاقات مع موجودات ، تمنح معاً نوعاً من حضور ملفت للانتباه . واستطيع القول بأن فروغ زادة باحثة عن جمال الحياة وتجددها ، وتنوعها من خلال الصورة . وكادت أن تكون مجنونة الصورة .
لعبت دوراً في ابراز امكانات الفنون في ملاحقة الحياة ، والساكن / الراكد فيها ، وتميزت انجازاتها بقوة عصفها لما رأته ثابتاً ولما عرفت فيه ركود الماضي المتخلف ، وإذا لم يكن الشعر في لحظة ما غير قادر على تلبية ضروراتها التي تريد ، تذهب للرسم أو السينما ولعبت دوراً في التمثيل كذلك . هذه الغزارة الملحوظة جعلت فيها إحدى أهم الشاعرات في العالم وبعمر قصير لم يتجاوز منتصف عقدها الثالث ، حيث توفت يوم 14/شباط /1967وتركت خمس مجموعات شعرية ، إضافة إلى العديد من الاهتمامات الاخرى . من هنا لا يعوض فقدانها ابداً . وستظل هزاتها العنيفة درساً في التحديث الادبي والفني ، وحازت من خلال فرادتها أهم المواقع بين حشد الشعراء الايرانيين . بالاضافة إلى إنها تعاملت مع الشعر والشعرية نوعاً من حياة لا يحوز عليها إلا مَنْ هو مغاير في رؤيته وقدرته على التعرف واكتشاف ما خفي في الموجودات وظلت علاقتها بالشعرية ملمحاً جوهرياً ، هو الذي حدد لها إطار حياتها الصاخبة المنشغلة بالحسيّات والمتع التي لا تكف عن ممارستها لدرجة تحوّلت هي أيضاً الى شعرية خاصة في ما يجب أن تكون عليه العلامات ووسائل التبادل والتواصل مع الاخرين .
لقد انشغلت فروغ فرخزاد كثيراً باستثمار لحظتها وقطف ثمارها زمنها بطاقة قصوى . وكان لذلك تأثير واضح عبر لغتها الشعرية الاستعارية وهذا ما تمظهر لي من خلال مجموعتها الخامسة لنؤمن من ببداية فصل البرد " ، تكشف هذه العنونة عن ارتواء لكنه غير كاف ، وفصل البرد ، هو تاريخ المتاعب والتوقف قليلاً أو التروي بالعلاقة مع زمن يحتارج نوعاً من فهم له ، ووعي لما يجب أن تكون عليه الحياة بالنسبة للشاعرة ، لكن هذه العنونة لا تؤشر الكف كلياً عن هوسها بالمنابع البدئية التي اعتادت عليها وكأنها تزاول طقوسها التي عرفت من قبل وتجاوزاً ما قلناه عن دور العنونة في تجربتها الشعرية ، فقد لعبت الشاعرة بمهارة لايقاظ طاقة الشعرية في ما تقول وتكسر الملفوظات المألوفة الفارغة من الشحنة الضرورية للغة . وعنوان " الوهم الاخضر " .
أيضاً تختار بعناية من تعالي النص بعنونته وطاقة الشعرية الراسخة عنه بلورة الحلم / ص220/ كنت اموت فيك / ص272/ الرياح ستأخذنا معاً ص312/ قلبي يحترق على الحديقة ص374/ وحده الصوت يبقى ص384/ فجر العشق ص142/اسطورة مّةص58/الطير سيموت ، لا تنسى التحليق ص5//
هذه شاعرة مختلفة عن غيرها من الشعراء ، لأنها ترى الشعر حاضراً وراكضاً ونازلاً بين كفيها . تلتقطه وعتبره حديقتها الابدية ، وتنام معه هي مغايرة عن الآخرين بسبب ولادة الشعر ، كالرياح ويأخذ معه الصوت الذي لا يموت كما قالت فروغ . شاعرة امتدت وتعلمت من حافظ شيرازي وسعدي ، لكنها صاغت منها ملحماً خاصاً بها ، لذا تميزت بين شعراء إيران وحازت صوتاً فريداً ومتميزاً . جعلت من الشعر حياة لها وطوعته للتعبير عن تفاصيل ثقافتها وسلوكها الرافض لما هو سائد .
جعل الشعر من فروغ امرأة رافضة ، متمردة ، منتقلة من مدينة الى أخرى , فروغ أنثى ناضجة ملتهبة بالعشق مرّة ، ومنبوذة من البيت الزوجي مرة اخرى ، وشعرها الحرّ المتمرد كان حديث المثقفين والقراء مرّات ، وهي كاشفة عن الاقنعة في مجتمع بأناس فارغين متخمين بسعادات وهمية ص7//
استطاعت فروغ بالشعر عن التعبير عن فرديتها وهوسها بالحب والعشق والحسيات وكانت طيلة حياتها جريئة وصادقة وقالت ما لم يستطيع آخر من بين كل الشعراء إيران قوله أو التشجيع على التفكير به.
امتلكت لغة شعرية عالية الشفافة والسمو ، ونجحت بنثرها ، مثلما تكشف لنا ذلك من خلال رسالتها الى زوجها " برويز " بعد انفصالها ( حين انظر لعيون كامي عند الاستيقاظ افكر بسبب وجوده ، بالعشق الذي كوى جسدينا وخلقت نطفته ، قلبي يحترق لأني لا أريد التفكير بك ، ومن أجل نسيانك تلفت نفسي ، أضعتها ..... لكنك تتجدد كل يوم ويصبح لك في حياتي ألف معنى ، أراك في عيون ابننا وذكراك مؤلمة ، حبيبي .... في الأيام التي لا احد يفكر بيّ ولا أحد يهتم لغليان روحي العاصية ، أنتَ الوحيد الذي تدمع عيني لأجله ، لأنني أشعر إن عينك من بعيد تراقبني وتنظر إليّ بقلق وخوف ص27//
عرفت اكتمال الانثى بوقت مبكر جداً ، ولم تقاوم جسدها ، بل ذهبت إليه بواسطة الشعر . وما يشبه الجنون الذي يتلبس الشعراء بوقت لا يعرفه الآخر ، جنون العشق ورهافة الاحتياج للآخر ) الذي لم تجده قريباً منها . هذا ما كشفت عنه قصائد ديوانها الاول . والذي كانت أنثى تلتفت لصوت الشعر والآخر غير موجود لكنها اقتربت منه ، لا يعرف غير الشعر وسيلة لتقديس التشارك بينها وبين الآخر تخلياً .
يجذبني..... يجذب نهري المرّ لبحاره
بوحشية كشعلة نار راقصة
يتبقى مني رمادَّ في السرير ص34
***
مدَّ يديك وقبلّ شفتيها المحمومة
أيها الرجلُ
اليك وجهتها
اليك صدرها
اليك أيها الرجلُ ص64//
***
حين كانت حياتي ........... لا شيء سوى دقات ساعة
جدارية
فهمت
يجبُ
يجبُ
يجبُ
أن أعشق بجنون
نافذة واحدة تكفيني
نافذة واحدة ، للحظة اليقظة والنظرة والصمت
الآن نبتة الجوز كبرت
للحدّ الذي تستطيع أن تقسرّ للجدار .....
طراوة أوراقها اليانعة ص372/ هذا مقطع من قصيدتها ( النافذة ) في ديوانها الاخير ( فلتؤمن بطليعة الموسم البارد ) .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

مسرحيون: المسرح العراقي المتسيد عربياً بدون موسم مسرحي وبلا دعم مستمر

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة

حصاد عام 2025 معرض متميز للكتاب وإنجاز غير مسبوق للسينما العراقية

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

معماريةُ الخراب حين تصبح المدينة جسداً مأزوماً يفقد أطرافه

مقالات ذات صلة

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب
عام

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب

خضير الزيدي واحدة من سمات علي طالب في الفن سواء الرسم او النحت انه منحاز للوقوف الدائم بين (التشخيص والتجريد) حتى وان اتضحت تجربته بشكل ملفت او مقلق الا ان الحقيقة انه لم يتخل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram