TOP

جريدة المدى > عام > مبنى "بير داود" في الميدان: تطبيقات الحداثة.. ومرجعياتها

مبنى "بير داود" في الميدان: تطبيقات الحداثة.. ومرجعياتها

نشر في: 7 إبريل, 2018: 05:55 م

د. خالد السلطاني
معمار وأكاديمي

لا يمكن (كما لا يصح!)، تقييم "ولع" المصممين العراقيين، في الخمسينيات، بالحداثة المعمارية وتقدير محاولتهم الجادة (والمضنية..ايضاً) في ترسيخ مبادئها بمنتج الممارسة البنائية المحلية، بالامر الطارئ او العابر. إذ كانت تلك الاهتمامات والمحاولات، باصواتها العالية، وتنوع مقاراباتها، المخالفة لما كان سائداً وقتذاك، بشيراً عن متغيرات كبرى، منتظرة، أفرزها واقع الصراعات المحتمدة داخل المجتمع، والتحديات التى كُتب عليه مواجهتها حينذاك.. بمعنى آخر، لم يكن حضور "الحداثة المعمارية" في الخطاب المحلي مجرد صدفة، وانما كان تمثيلاً مباشراً، عن موضوعية حضورها، والكشف عن ظهورها البين. ويعزى ذلك الحضور، والظهورايضاً، الى مثول عاملين، اولهما: إطروحة "الاستجابة التاريخية"، وثانيهما وجود من يتبنى تلك الاطروحة من المعماريين، القادرين على استشفاف وسبر اغوار "حتمية" تأثيراتها، والتنبؤ بتحوالاتها المرتقبة. من هنا يتعين، قراءة و"رؤية"، ما قام به المعماريون العراقيون الحداثيون، بضمنهم المعمار "رفعة الجادرجي" (1926)، كأحد ممثلي الحداثة المهمين، من عمل مميز، ونشاط تصميمي فعال في المشهد المعماري العراقي. ومن هنا، ايضاً، يتعين إدراك قيمة ما اجترحه من نماذج معمارية مهمة، اغنت البيئة المبنية المحلية وعززت من حضور الحداثة فيها. وواحد من ضمن تلك الامثلة الرائدة، لما ذكر تواً، وهو مبنى "بير داود" الواقع في رصافة بغداد. والذي اعتبرت عمارته (رغم كل ما قيل عنها) نموذجاً لعمارة تلك المرحلة المهمة في تاريخ البلد وفي تاريخ عمارته، ما يتطلب منا جميعا الحفاظ عليه، وإثارة الاهتمام به، وبقيمته المعنوية والتاريخية... والمعمارية ايضاً:
يمثل، اذاً، مبنى "بير داود" (1954) في الميدان، عند منطقة باب المعظم ببغداد، احدى محاولات رفعة الجادرجي في تطبيق عناصر عمارة الحداثة في البيئة المحلية. ولكنها، هنا، في مبنى متعدد الطوابق (يحتوي المبنى على ستة طوابق)، وهو ارتفاع لافت في مدينة، كان سياق الارتفاع البنائي فيها، عموماً، لا يتجاوز طابقين الى ثلاثة. لكن الأمر الجوهري في عمارة "بير داود"، ليس ارتفاعها العالي نسبياً فقط، وليس ألوان الواح شرفاتها المختلفة فحسب، وإنما الحضور القوي، لما يعرف "بشاشة كاسرات الشمس" Louvers ؛ تلك الأداة التي أثرى بها المعمار الطليعي "لو كوربوزيه" <معجم> عمارة الحداثة، حينما استعملها لأول مرة في دارة سكنية في تونس بداية الثلاثينيات، ثم ظهرت بكل "جلالها" وجماليتها في "طول وعرض" واجهة مبنى وزارة "المعارف والصحة" (1936) المتعدد الطوابق في ريو دي جانيرو بالبرازيل، عندما اشترك لو كوربوزيه بصفة <استشاري> المشروع مع معمارها "اوسكار نيماير". ومن ثم استخدمت منظومة "كاسرات الشمس" بشكل واسع في عمارة البلدان الحارة، كاستجابة ضرورية (...ومن ثم جمالية أيضا) للتقليل من سلبيات المناخ الحار السائد في تلك البلدان. يتعين التذكير، أيضاً، بان أصول و"مرجعية" ظهور تلك المفردة التصميمية، التى ارتبطت بمنجز لو كوربوزيه، يعود بالأساس الى ما يعرف بـ "الشناشيل" او "المشربيات"، التى لطالما اقترن وجودها المالوف في منتج العمارة العربية والاسلامية، بأسباب التقليل من تأثير سلبيات المناخ السائد هناك. بل أن "لو كوربوزيه"، نفسه، يعترف ضمناً بانه استوحى اجتهاداته التصميمية تلك، من شيوع تلك المفردة التصميمية في العمارة العربية. وليس من باب الصدفة بتاتاً، أن يكون استخدام كاسرات الشمس بهيئتها الحداثية والجديدة لأول مرة، في مبنى قائم بعلى الارض العربية، في تونس تحديداً. ولهذا فان توظيف تلك المفردة التصميمية في المعالجات التصميمية لعمارة المباني المشيدة في منطقتنا، كان دائما ينظر اليه، وكأنه نوع من الاحتفاء والترحيب بها، كاحد رموز العمارة المحلية.
سعى رفعة الجادرجي في مبنى "بير داود" الى توظيف تلك الشاشة، اساساً، لتكون الأداة الرئيسة في معالجة تشكيل واجهة مبناه. فالواجهة مشغولة بكل ارتفاع قسمها العلوي (تضمن المبنى قسمين: الواطئ منهما بارتفاع طابق ونصف، وهو منحسر عن خط رصيف الشارع، والعلوي المتكون من خمسة طوابق، ناتئاً بصورة كابوليه Cantilever على رصيف الشارع)، مشغولة بتلك الوحدات البنائية التي تؤلف رسوم الشاشة. كما سعى المعمار، أيضا، الى منح كل طابق في الواجهة هيئته الخاصة عن طريق تغيير رسومات تلك الوحدات واشكالها. ورغم الأخطاء التنفيذية التي ارتكبت اثناء اعمال التنفيذ (أخبرني المقاول وقتها حسيب صالح، بان ثمة خطأ حصل في تحديد ارتفاعات طوابق المبنى، ويمكن الآن رؤية ذلك الخلل عندما يتمعن المرء النظر الى واجهة المبنى!)، ومع هذا، فان المبنى اضفى بواجهته المميزة، المتشكلة أساساً من شاشة الكاسرات، والواح شرفاتها الملونة، بالإضافة الى تطليعات أجزاء من الجسور الخرسانية، التي وظفها المعمار باقتدار لتأكيد فعالية لعبة "الظل والضوء" المحببة الى نفسه، والتي سبق وان استخدمها في مبانٍ عديدة، اضفى كل ذلك على المبنى نوعاً من المفاجأة والطزاجة، والجدة، التي لم تعرفها مباني بغداد العالية. وظل المبنى بعمارته اللافتة لسنين طويلة يعد أحد معالم المنطقة التي يقع فيها، كما اعتبر وجوده هناك بمثابة اثراء ملحوظ وهام للبيئة المبنية.
والمعمار "رفعة كامل الجادرجي" المولود في 6/12/ 1926 ببغداد، انهى تعليمه المعماري من مدرسة "هامرسميث للفنون والأعمال" (1946-52) بلندن / المملكة المتحدة، عاد الى العراق، واشترك مع عبد الله إحسان كامل وإحسان شيرزاد، في تأسيس مكتب "الاستشاري العراقي" (1953)، وانضم لهم، بعدذاك، معماريون آخرون. قدر لغالبية مشاريع المكتب ان تمثل بعمارتها المميزة ولغتها التصميمية الحداثية، صفحات مهمة وناصعة في سجل المنجز المعماري العراقي. ومن ضمن تلك المشاريع: دارة كتخدا (1959) في العلوية، نصب الجندي المجهول (1959) في ساحة الفردوس (1959)، كلية الطب البيطري (1965) في ابي غريب، بغداد، دارة يعسوب رفيق (1965)، في المنصور ببغداد، مبنى التأمين (1966) في الموصل، مبنى إتحاد الصناعات العراقي عند ساحة الخلاني ببغداد (1966)، مشروع مسجد لندن (1969)، لندن /المملكة المتحدة (لم ينفذ)، مصرف الرافدين (1969)، في المنصور ببغداد، مبنى الاتصالات (1971) <بالاشتراك مع هنري زفوبودا>، في السنك ببغداد، دارة هديب الحاج حمود (1972) في المنصور ببغداد، بناية مجلس الوزراء (1975)، في كرادة مريم ببغداد، وغير ذلك من التصاميم المميزة، ذات الوظائف المتنوعة. أصدر الجادرجي عدة كتب تعاطت مع الشأن المعماري والفني والانثروبولجي مثل: شارع طه وهامرسميث (1985)، صورة أب (1985)، مفاهيم وتأثيرات: نحو اقلمة العمارة الدولية (1986)<باللغة الانكليزية>، الاخيضر والقصر البلوري (1991)، حوار في بنيوية الفن والعمارة (1995)، ومقام الجلوس في بيت عارف آغا (2001)، جدار بين ظلمتين (2003) <بالاشتراك مع زوجته بلقيس شرارة>، في سببية وجدلية العمارة (2006)؛ الذي نال عنه جائزة زايد للكتاب (2008)، وقد اصدر اخيرا (2014) كتابا ضخما بعنوان "دور المعمار في حضارة الانسان". سبق وان حاز الجادرجي على جائزة الرئيس لمؤسسة أغا خان (1986). مقيم في بريطانيا منذ الثمانينات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب

معماريةُ الخراب حين تصبح المدينة جسداً مأزوماً يفقد أطرافه

لوران موفينييه يخطف جائزة غونكور للأدب: مقاومة وقوة الأدب في رواية (البيت الفارغ)

المرأة في أعمال الفنان ديلاكروا: تجاوز الصورة النمطية للجمال

مقالات ذات صلة

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا
عام

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

لطفيّة الدليمي منذ البدء أعترفُ بوضوح: الرقم (سبعة) خيارٌ كيفيّ وشخصيّ، ليس متّصلاً بقاعدة صوفيّة كونية ولا بُنْيَة سرّية رياضياتية للعالَم . إنه صدى ثقافة مطعّمة بنبرة اللاهوت الجمعي والأسطرة الحكائية التي رفعَتْ من...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram