TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > البشير والرد الموجع

البشير والرد الموجع

نشر في: 9 نوفمبر, 2012: 08:00 م

بعد ثلاثة أسابيع على تدمير مجمع صناعي عسكري في السودان بغارة جوية لم تتبناها أي جهة، خرج المشير عمر البشير عن صمته، مهدداً إسرائيل برد موجع، وبما يعني أنه يتهم الدولة العبرية رسمياً بشن الغارة التي دمرت مصنع اليرموك، وقد فسر البعض التأخر في التهديد بأنه ناجم عن الوضع الصحي للبشير، حيث خضع لعملية جراحية في السعودية، فيما رأى بعض الخبثاء ساخرين، أنه كان ينتظر استكمال الخطط والاستعدادات لرده الموجع، ويمضي هؤلاء في سخريتهم السوداء، إلى تصور أن حالة الطوارئ القصوى أعلنت في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحسباً من " الوجع "، وأن العقول المتخصصة بالعلوم الإستراتيجية والعسكرية مستنفرة على مدار الساعة، لمواجهة مخططات المشير، الذي لم نسمع يوماً أنه خاض معركةً وانتصر فيها، باستثناء انقلابه العسكري الذي حمله إلى موقع رئيس الجمهورية، ليتمسك به بالنواجذ، رغم فقدانه نصف البلاد، التي انفصلت لتؤسس جمهوريةً جديدةً، على أنقاض ما كان يعرف بأكبر دولة إفريقيه.

تصريح البشير، الذي جاء على شكل رسائل نصية عبر الهواتف الخليوية، وليس من خلال مهرجان جماهيري يهز فيه عصاه، وهو يستعرض سباقاً للجمال والخيول، لا يعدو كونه من زائد الكلام، ولولا رغبة في الخوض في تفكيره القائم على القول بدلاً من الفعل، لما كان كل ما أعلنه يستحق مجرد التوقف عنده، فالرئيس الذي لم يتمكن من حسم معركته مع المعارضين من أبناء شعبه، وما زال يتخبط في التعامل مع المتمردين على دكتاتوريته، في غير موقع من البلاد، يهدد برد موجع لدولة لا بد من الاعتراف بأنها الأقوى في هذه المنطقة، والقادرة فعلاً لا قولاً على إنزال الوجع بدولة فاشلة مثل السودان، وإذا كنا على البعد لا نرى في تهديدات البشير، المطارد من الجنائية الدولية، غير الخواء، فلنا أن نتصور حجم المرارة التي ضربت نفوس السودانيين المنكوبين بحكمه المستمر منذ سنوات، لم يعرفوا فيها غير الدم والفقر والرجوع إلى الوراء.

وإذا كنا لا نصدق تهديدات "الوجع"، لأننا نعرف مدى ضعف حكم البشير، فإن المؤكد أنه نفسه لا يصدقها، إلا أن كان يفكر بتبني عمليات انتحارية، لا نعتقد أن سودانياً واحداً، ولو كان شديد الولاء للمشير، ومؤمناً بكل سياساته، على استعداد للقيام بها، والمؤكد أن من أطلق تصريحاً عرمرمياً كهذا، يحتاج تنفيذه لغير هذه الدولة وغير هذا الرئيس، يعتمد على فضيلة النسيان، التي تتمتع بها شعوبنا العربية، والتي نسيت التصريح فور الانتهاء من مطالعته على الهاتف، لكنها لن تتمكن من نسيان الوجع الناجم عن فشل السودان في التصدي، ولو شكلياً، للغارة الجوية التي تمكنت من الوصول إلى مشارف الخرطوم، التي احتضنت يوماً ما مؤتمر قمة تبنت لاءات ثلاثة، لم تخلف لشعوب أمتنا غير الوجع.

وجع إسرائيل على يد البشير نكتة سوداء، لكن وجع السودانيين على يديه أمر مؤكد ومثير للوجع الحقيقي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram